يقول الشاعر الراحل عبد الله محمد محمد خير “رحمه الله رحمة واسعة”عمري يا عيد مابتجرسني الشدايدومابتهد ايماني اصناف المكايدمافي عيداً مابندورو يجينا عايدبس بدل أحزانا يبقى فرحنا زايد“رغم الأهوال والأحزان نحمد الله ونشكره على سلامة الأرواح والأبدان ونقول للجميع كل عام وأنتم بخير سائلين الله أن يطفىء نار الحرب، ويعم السلام ربوع بلادنا، ويعود عليكم العيد عاماً بعد عامٍ وأنتم رافلون (تخوجلون) في السعادة والهناء متوجين بالصحة والعافية”للعيد وقعٌ ومذاقات في أنفس الناس يصعب حصرها، ويختلف الوقع والمذاق باختلاف الظروف التي يكون فيها أو يعيشها الإنسان، مكانياً بسبب غربة أو هجرة، أو صحياً بسبب مرض أصابه أو أصاب عزيزاً له، أو فقدٍ لعزيز غيبه الموت، وهذا الوقع والمذاقات من الأمور التي وردت في الأدب العربي، حيث قال ابو الطيب المتنبئ:عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُلما مَضى أَم لأَمرٍ فيكَ تَجديدُأَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُفَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُعندما كتبت هذه القصاصة بتاريخ ١ مايو ٢٠٢٢م لم يدر بخلدي وقتئذٍ أن السودانيين بعد ثورتهم العظيمة في ديسمبر ٢٠١٨م سيتذوقون طعماً آخراً للعيد في العام ٢٠٢٣م، فبكل حزن أضاف صراع الجيش والجنجويد مذاقاً آخراً للعيد لم يعرفه الكثيرون من قبل.
إنه طعم أشد مرارة وممزوج برائحة الموت؛ إنه طعم الحرب والخوف والهلع والجزع وهو طعمٌ لم يتضمنه الجزء الأول من المقال عندما نشر في سنة ٢٠٢٢م، وها يمر عام آخر ولازالت الحرب لم تضع اوزارها بعد، وتضاعفت الأحزان برحيل أعزاء آخرين منهم أصدقاء ومنهم زملاء دراسة وكان آخرهم صديق الكل الفنان صديق أحمد الذي انتقل إلى الدار الآخرة يوم ٢٦ رمضان الموافق ٢٦ مارس ٢٠٢٥ عليهم جميعاً رحمه الله وغفرانه، وها قد مر عام آخر واقبل عيد رمضان (مارس ٢٠٢٦م) ولازال اغلب الناس بين مرارات النزوح داخل السودان وذل اللجوء في الدول الاخرى.
“أسباب كثيرة قد تنشأ منها الحروب، ولأجلها تستمر وتدوم.
قد تكون صغيرة في بدايتها، وربما تنشأ من رغبة فردية من زعيم أو منظمة، إلا أن ضحاياها يكونون هم الأبرياء الذين يقعون في ويلاتها بمئات الألوف وربما بالملايين.
ويلاحظ أن معظم الحروب المدمرة أو الطويلة كان وراءها شخص أو بضعة أشخاص، وأنها لم تكن في يوم من الأيام إرادة شعب كامل أو أمة موحدة.
وقناعة أو هدف شخص أو حكومة بإشعال حرب وإقامتها مهما كان قوياً ومدعماً بالوثائق والبراهين الملفقة أو الصحيحة، لا تعطي لهم الحق بفرض هذا القرار والتلاعب بمصير ملايين البشر وعشرات الشعوب” (مقتبس)يقول شاعر – وقد مرَّ عليه العيد – في وصف ما خلفته الحرب من وضع مزري:يا وحشة الدار التي ربّها.
أصبح في أثواب مربوبقد طلع العيد على أهلها.
بوجه لا حسن ولا طيبما لي وللدهر وأحداثه.
لقد رماني بالأعاجيبفيما مضى كنت بالأعياد مسروراً.
فساءك العيد في أغمات مأسوراترى بناتك في الأطمار جائعة.
يغزلن للناس، ما يملكن قطميرايطأن في الطين والأقدام حافية.
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورالقد كتب حمد بن سعيد بن مبارك التوبي(محافظة مسقط) يصف مذاق العيد في السودان في العام ٢٠٢٣م، تحت وطأة العراك “على كراسي الحكم” بين قادة الجيش والجنجويد بعنوان: صبر وسلوان للنيل والسودانياعيد مهلاً ففي السودان أتراحياعيد في تلكم الأحياء إخوتناالجود فيهم بعطر الود فواحفيها نفوس بحب المصطفى شغفتفيها أناس كشعراني الهدى مثلاًفالقلب مفتوح لا قفل ومفتاحقد ساروا عنها وأجساداً بها دفنواوغادرتها إلى الجنات أرواحكانت مآذنها التكبير ديدنهاوغمرة الشوق للإنشاد تجتاحفي كل بيت ترى الحلوى منوعةوذلك الفرن في التشيبه مصباحفأين أطفالهم بل أين فرحتهمشمبات بحري غدت كالليل مظلمةأربابها كلهم عن دورها راحوافمسجد الشيخ زين العابدين بكىوالنيل من جزع سالت مدامعهوماؤه العذب أضحت فيه أملاحياعيد عذراً فسودان الندى رزئتصلاة ربي على المبعوث من مضرإن الصلاة بها الأرواح ترتاحقبل الخوض فيما نُظِم من قصائد عن العيد في أشعار منحنى النيل، أقتبس شيئاً مما كتبه الأستاذ سعيد عباس، في جريدة السوداني، بتاريخ ٢٦ اكتوبر ٢٠١٢م، مشيراً لما قيل عن العيد في الشعر القومي السوداني:“نذكر بداية ماخطه يراع شاعرنا الكبير محمد عوض الكريم القرشي مع الفنان الكبير عثمان الشفيع وهو يشّبه اليوم الذي تلبدت فيه السماء بالغيوم في لقاء الأحبة وصفاء النفوس بأنه أشبه بيوم العيد فتغنى ب(اليوم سعيد وكأنو عيد يلا ننظر حدائق البان جديد)، إمّا الموسيقار محمد الأمين فإنه مارس نوعاً من أنواع العتاب الرقيق لعدم ظهور المحبوب في أحد الأعياد قائلاً: (العيد الجاب الناس لينا ماجابك).
وهناك عدد من الأغنيات احتفلت برؤية الحبيب بصورة خاصة جداً ومختلفة لأبعد الحدود وخاصة مقطع: (يومي اللشوفك يبقى عيد والدنيا تبقى معيدة)، لكن النور الجيلاني عانى من فراق الحبيب ومرارة الذكرى ولم يتذوق طعماً للعيد فرثى والده واقفاً على قبره متأثراً لفراقه في أول أيام العيد قائلاً: (جانا العيد وانت بعيد.
ابيت ماتعود تبارك العيد)” انتهى الاقتباس.
وبنظرة سريعة غير متعمقة لأشعار منحنى النيل نلاحظ أن بين الشعراء من احتفى بالعيد وتضاعفت سعادته، ومنهم من لعن حظه أو لعن الظرف أو المكان الذي صادفه فيه العيد وطلب منه المغادرة، وهناك من جادت قريحته بقصائد فرح بالعيد في مكان وظرف معينين ثم عاد ونظم قصائد بشكل مختلف في العيد لأنه غشاه في غربة أو ظرف حزين، وقد تغنى فنانو الطمبور بالكثير من تلك القصائد وكانت الكلمات والألحان عزاءاً للكثيرين من الذين عاشوا ظروفاً مشابهة لمناسبات القصائد عند شعرائها.
من أشعار تلك الأعياد السارة التي أصبح فيها الفرح فرحين، عيد زار فيه المحبوب محبه في بيته فنظم الشاعر الراحل / عبد الله محمد خير ( رحمه الله) قائلاً:يوم كنا بي نشوة فرح دايرين نطيريوم القمر في بيتنا متواضعفذاك فرح تضاعف وكاد أن يكون جناحين لصاحبه فيطير بهما محلقاً في السموات، فرح عيد صحبته زيارة خاصة من “قمر” لم يكتف بالزيارة فحسب، بل تواضع وجلس على سرير بسيط ليزيد الفرح كيل بعير، حين حيا قائلاً: كل عام وأنتم بخير.
ونسأل الله أن يجعل مثل هذا العيد نصيبنا من كل عام.
فمثل هذا العيد ينتظر قدومه الكثيرون من العشاق والمحبين، من الجنسين، ليرتدوا أجمل وأفخر الثياب، ويتعطروا بكل عطر جميل، فذاك حال فرحة الناس في ديارهم بالعيد، حيث يتجلى ذاك الفرح بوضوح في ملبسهم وزياراتهم ومعانقاتهم لبعضهم البعض، فرح وصفه الشاعر عبد الله التاج بقوله:الناس غِشَاها العيد تلْصِفْ جلاليبادَرَعَتْ طواقيها لِبْستْ مراكيبامرقت على الجيران معطونه بى طيباأتعانقت فرحه شِبانا بى شِيبافالعيد هو مصدر فرح لكل إنسان صغيراً كان أو كبيراً سيما الاطفال الذين يرتدون جديد الثياب، وينتشرون في الشوارع والبيوت كالفراشات فرحاً يتلقون (العيدية) من الأهل والأقارب والجيران والمعارف ثم يلهون ويمرحون لعدة أيام، كما أنه يكون موعداً لإتمام أفراح الزواج وختان الأطفال والكرنفالات وإفتتاح المؤسسات والمشاريع الجديدة في القرى، وخلال أيامه الثلاثة يكون الناس في فرح متواصل وفي عطلة عن العمل إلا للقيام بالضروريات.
وبالطبع، وعلى العكس والنقيض تكون الأعياد التي تمر على أي إنسان، سواء أكان إنساناً عادياً أو شاعراً، وهو بعيد عن دياره وأهله وأحبابه، أو كان هو في دياره وبين أهله ولكن كان له من الأحزان نصيب، بسبب فقْد عزيز غيبه الموت او أصابه مرض أو أي شيء محزن يعكر الصفو.
وهذه الظروف الحزينة التي يصادفها العيد قد ترجمها الشعراء في قصائد كثيرة، بعضها وجد حظه من الغناء، وهنا نطرح نماذج لبعض اقبح تلك الظروف التي مر فيها العيد، ونبدأ بأبيات تصف حال شاعر في غربته كيف كان يعاني ويتجرع آلام طول الغيبة من الديار والأهل، حيث يقول الشاعر عبد الله التاج:يا الله انت براك الحالة داريبامن اهلي من خلايا طالتبنا الغيبةومن مذاق الحزن يقول الشاعر السر عثمان الطيب:أسباب أساي وسر بكاي العيد يمرللناس فرح وانا لي ترح من حالي كُرالناس تقوم تمرق تحوم قبل الفجربين هاش وباش وأنا دمعي راش لازم الصبرجوفي اتحرق وانا ما مرق حدي العصُرلي مافي زول يهدي ويقول ياخد الأجروفي ذلك نظم الشاعر محمد سعيد دفع الله قائلاً:وعلى النهج نفسه قال الشاعر عبد الله كنَّة:جاء للناس فرحوا بيهو انا عيدي جاني نكدلقاني وحيد غريب عايش على زول ما مرق عيَّدفهذا الشاعر الاخير، وأمثاله كثرٌ من البعيدين عن أهلهم وأحبابهم وديارهم بداخل السودان أو من المغتربين والمهاجرين، كان يمنى نفسه بالعيد في دياره وسط اهله ورفاقه وأحبابه ولكنه قضى يومه لوحده متغرباً فلم يزر شخصاً ولم يزار من شخص قريب أو غريب.
وهذا الحزن والأسى والظروف، أعلاه، عاشها الشاعر الراحل عبد الله محمد خير (رحمه الله)، وهو في غربته بعيداً عن أسرته وأهله وعشاقه وأحبابه، فكان للحزن والظروف وقعاً أشدَّ من وقع السهام والرماح وبيض الهند، فقد مزق قلبه تمزيقاً جعله يتمنى ألا يعود عليه هذا العيد، مقارناً بين صورة العيد في بلده “مباركة العيد من الأم ودعواتها”، وخروج البنات الصغيرات في الصباح الباكر يحملن الفرحة “سون الشرطان ضفاير”، وبين صورة عيده وهو في غربة حقيقية لا يجد فيها حتى من يعيِّد عليه قريباً كان أو غريباً، فأي ألم ومعاناة أشد من هذا؟ ولم يكن هناك ما ينفـِّس عن هذه النفس الحساسة الرقيقة كربتها سوى البكاء فقط ولا شيئاً غيره، فأنشد قائلاً:فيك لا أماً تقول ترجوه دايرلا زهيراتن حليوات سون الشُّرطان ضفايرلا عروسن في بسيمتا من صباحك كم بشايرلا قريباً تلزم زيارتو ولا غريباً جانا زايفي الصباح حصِّل عذابك منتهاهوولي رضيت بى حالن العدو ما رضاهوقلبي طاوع حزنو مشى حسب هواهبكى وبكى وما لقى أحسن مابكاهوونظم هذا الشاعر نفسه في موضع غربة وحزنٍ آخر قائلاً:جاه العيد كمان زاد القليب حسرهسادي العبرة حلقو ونفسو منكسرهوزادنا كيل بعير في موضع حزنٍ آخر قائلاً:والفرحة تصحب كل عيد تملا البيوتوأنا كل ما استقبلت عيد أحيا وأموتوأطبع ملايين التهاني على الكروتولتخفيف بعض المذاقات المختلفة نورد أبيات من الشعر تدعو لإلتفاتنا وانتباهنا لمصادر الحزن عند البعض والسعي لمعالجتها قدر المستطاع بالتكافل بيننا، وبالتوحيد واليقين والصبر على الفقد الجلل؛ حيث يقول شاعرٌ:يافرحة العيد جوبي أرض واديناوباركي أهله السُّمر المياميناوهنئي واملئي الآفاق حاملةمن السعادة ما يكفي أمانيناعاماً كمشرق هذا العيد ميمونادنياه بالمال منشوراً ومخزونافذكّريه عسى التذكير ينفعهبأن في هذه الدنيا مساكينايستقبلون صباح العيد باكيناوان رأيت كسير القلب منتحباًيبكي أعزاء تحت الأرض ثاويناإلى الفناء وان كانوا نبيينانسأل الله أن يجعل كل أعيادنا أفراحاً، ويجمعنا فيها بأهلنا وأحبابنا وهم “يخوجلون” في خيرهم تغمرهم السعادة، متوجين بالصحة والعافية، والسودان يرفل في الأمن والسلام والرخاء، والكل متحلياً بقيم الدين والأخلاق، وقد أصبح كل سوداني وطنياً محباً لتراب وطنه، نابزاً للتحزب الجاهل وللعنصرية والبغضاء، مناهضاً وقاهراً للظلم وأنصاره، عاشقاً للحرية والعدالة والسلام والديمقراطية، باغضاً للاحتراب والاقتتال، مختتماً بأبيات الشاعر الراحل عبد الله محمد محمد خير “رحمه الله رحمة واسعة”:الموافق ٣٠ رمضان ١٤٤٣ هجريةأعيد النشر بتاريخ ١٩ مارس ٢٠٢٦م عشية عيد الفطر المبارك مع إضافات في صدر المقال عن مذاق العيد خلال حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م اللعينة بين الجيش والدعم السريع (الجنجويد) في السودان ورحيل بعض الأصدقاء وبعض زملاء الدراسة عليهم رحمه الله وغفرانه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك