لا يمكن قراءة تجربة القوى المدنية في السودان كمسارات منفصلة، بقدر ما هي تعبيرات متعددة لأزمة واحدة عميقة فالإسلاميون، والأحزاب التقليدية، والتيارات اليسارية، والقوى التي برزت مع ثورة ديسمبر 2018—جميعها شاركت في محاولة بناء الدولة منذ الاستقلال، لكنها انتهت إلى نتيجة متقاربة – دولة هشة، وسلطة غير مستقرة، وأزمة متجددة في الشرعية , وهذا يطرح السؤال الجوهري- لماذا فشلت قوى مدنية مختلفة المشارب في بناء دولة حديثة مستقرة؟من “الحركة” إلى “الدولة” المفارقة الأساسيةتكشف التجربة السودانية عن مفارقة مركزية أن معظم القوى المدنية دخلت الحكم—أو اقتربت منه—بعقلية “الحركة” لا “الدولة”الإسلاميون نقلوا أدوات التنظيم إلى مؤسسات الدولة، فغلب الولاء على الكفاءة، واختلط الدعوي بالسياسي.
الأحزاب التقليدية أعادت إنتاج نفوذها الطائفي داخل الدولة، فبقيت المؤسسات رهينة للزعاماتالتيارات اليسارية، رغم عمقها النقدي، لم تنجح في تحويل خطابها إلى برامج حكم عملية , أما القوى المدنية الحديثة، فقد واجهت ضعفًا تنظيميًا وتشرذمًا حال دون ترجمة الزخم الثوري إلى سياسات قابلة للتنفيذفي كل هذه الحالات، لم تصبح الدولة إطارًا جامعًا، بل امتدادًا لمشروع سياسيلم يكن التعثر عرضيًا، بل نتيجة آليات متكررة داخل بنية العمل السياسيالشخصنة بدل المؤسسية ارتباط الأحزاب برموز تاريخية أعاق التجديدضعف صناعة القرار غياب مراكز التفكير والتخطيط الاستراتيجيالتناقض بين الشعارات والممارسة رفع قيم الديمقراطية دون تطبيقها داخليًاالارتهان للحظة السياسية تغليب ردود الفعل على الرؤية طويلة المدىهذه العوامل جعلت كثيرًا من القوى المدنية أقرب إلى “نشاط سياسي” منها إلى “ممارسة حكم”من السلطة إلى المعارضة حلقة مفرغةعقب كل تجربة حكم، تعود القوى المدنية إلى المعارضة بخطاب إصلاحي، لكنها تعيد إنتاج الإشكال ذاته- خطاب أخلاقي مرتفع مقابل ضعف البدائل، نقد مستمر دون برامج مكتملة، وتذبذب بين المبدئي والتكتيكيوهكذا تتكرر الدائرة فشل في الحكم، ثم معارضة بلا بديل، ثم عودة بنفس الأدواتالمرأة السودانية مؤشر على خلل أعمقلا يمكن فهم أزمة السياسة المدنية دون التوقف عند موقع المرأة السودانية داخلها.
فقد كانت النساء في طليعة كل لحظات التغيير—من ثورة أكتوبر 1964 إلى ثورة ديسمبر 2018، حيث برزن كقوة حاسمة في الشارع والتنظيملكن هذا الحضور لم ينعكس في مواقع اتخاذ القرار.
فعند الانتقال من الثورة إلى السلطة، تراجعت مشاركة النساء بشكل ملحوظ، سواء في مؤسسات الحكم أو في طاولات التفاوضهذا التهميش لا يقتصر على تيار بعينه، بل يشمل معظم القوى المدنية، بما فيها تلك التي ترفع شعارات التقدمية , وغالبًا ما تُختزل مشاركة النساء في تمثيل رمزي أو كوتا شكلية، دون تمكين فعلي داخل مراكز القرارالأعمق من ذلك أن نفس “عقلية الحركة”—القائمة على الولاءات والشبكات المغلقة—تعيد إنتاج هذا الإقصاء، حتى داخل المشاريع التي تتبنى خطاب العدالة , وبذلك، يصبح تهميش المرأة دليلًا على خلل بنيوي في بنية العمل السياسي، لا مجرد قضية حقوقية منفصلةاختزال الأزمة السودانية في صراع بين تيارات سياسية يضلل أكثر مما يفسر.
فالسودان يواجه أزمة دولة مكتملة الأركان، تتجلى فيهشاشة المؤسسات واعتمادها على الأفراداختلال العلاقة بين المدنيين والعسكريينفشل إدارة التنوع وتحوله إلى صراعاتنخبة سياسية عاجزة عن تقديم مشروع وطني جامعفي هذا السياق، لا تبدو أي قوة مدنية بمنأى عن المسؤولية.
السؤال الحقيقي كيف يُحكم السودان؟لم يعد السؤال “من يحكم؟ ” بل “كيف يُحكم السودان، وبأي قواعد؟ ” , فغياب دستور توافقي ومؤسسات مستقلة، واستمرار الخلط بين الهوية والدولة، يجعل أي تجربة حكم هشة ومؤقتةكما أن بناء دولة حديثة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة، وضمان خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنيةالخروج من الأزمة يتطلب تحولًا في طبيعة السياسة المدنية نفسها – الانتقال من الزعامة إلى المؤسسةمن الصراع على السلطة إلى إدارة الدولةمن الإقصاء إلى الشراكة الوطنيةومن التمثيل الرمزي للمرأة إلى تمكينها الفعلي كشريك كاملفالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والقدرة على إدارة التعقيدأثبتت التجربة السودانية أن إسقاط الأنظمة ليس التحدي الأكبر، بل بناء ما بعدها , فالأزمة لم تعد في غياب البدائل، بل في عجز القوى التي تطرح نفسها كبديل عن التحول إلى فاعل قادر على إدارة الدولةوما لم يحدث هذا التحول، سيظل السودان يدور في نفس الدائرة , انهيار، انتقال هش، صراع، ثم انهيار جديدوحده تجديد شامل للسياسة المدنية ويضع الدولة فوق المشاريع، والمواطنة فوق الانتماءات , ويمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا، تكون فيه المرأة شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل، لا مجرد رمز في لحظات التغيير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك