أعلنت إسبانيا، الاثنين الماضي، إغلاق مجالها الجوي في وجه الطيران الحربي الأميركي المشارك في الحرب على إيران.
يتخطّى هذا القرار أبعاده التقنية والعملياتية المتمثّلة في تأثيره المُحتمل على سير العمليات العسكرية، نظراً إلى الموقع الجغرافي لإسبانيا بوصفها حلقةَ وصل استراتيجية بين غرب المتوسّط والشرق الأوسط، إلى أبعادٍ سياسية تقترن بالموقف الذي أبدته إسبانيا، برفضها الصريح الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واعتبارها انتهاكاً لقواعد القانون الدولي.
لا يعكس القرار فقط التحوّل الطارئ في المواقف الإسبانية إزاء ما يستجدّ في الشرق الأوسط من أزمات وحروب، بل يُعدّ حلقةً في تطلّع إسبانيا نحو إعادة تموضعها الاستراتيجي في مواجهة تباين مواقف الدول الأوروبية من الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية المتوقّعة؛ تباينٌ يكشف الجدليات التي تحكم سيادة هذه الدول على مقدّراتها العسكرية والاستراتيجية، بما فيها القواعد العسكرية الموجودة في أراضيها التي تستعملها القوات الأميركية بموجب اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة.
هناك، إذن، حالة من عدم اليقين في معظم العواصم الأوروبية بشأن مآلات الحرب، في ظلّ افتقاد الإدارة الأميركية خريطة طريق واضحة لإنهائها بأقلّ الخسائر، خصوصاً أنّ تداعيات حرب الإبادة في غزّة لا تزال ماثلةً للعيان.
تُضاف إلى هذا الفاتورة الباهظة للحرب التي يبدو أنّ أوروبا غير مستعدّة لتحمّل جزء منها بسبب ظروفها الاقتصادية المعلومة.
يكشف رفضُ إسبانيا السماح للطيران الحربي الأميركي باستعمال قاعدتَي روطا ومورون (في الجنوب الإسباني) توتّراً بين التزاماتها التي تفرضها عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي من جهة، ونطاقِ صنع قرارها الوطني من جهة أخرى.
يتعلّق الأمر بسؤال: ما هي المعايير والآليات التي يُفترض أنها تحكم استخدام القواعد العسكرية الأميركية في العالم فيما يستجدّ من أزمات على الصعيد الدولي؟عادةً ما تتداخل الحسابات السياسية والأمنية والقانونية والاقتصادية في صياغة قرار السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في هذا البلد أو ذاك.
وتقدّم إسبانيا حالةً مستجدّةً بهذا الخصوص؛ فهي تضمّ منشآت عسكرية كبرى ضمن منظومة الترسانة العسكرية الأميركية في أوروبا والبحر الأبيض المتوسّط وأفريقيا والشرق الأوسط، ما يمنحها أهمية جيوسياسية متنامية، لكن هذا الوضع يستدعي أسئلة، في الوقت نفسه، بشأن سيادتها، ويرهنها، بحسب محلّلين إسبان، للحسابات الأميركية التي أسقط عنها دونالد ترامب كلّ ما يمتّ للشرعية والنظام الدوليَّين بصلة.
تدرك الحكومة الإسبانية أنّ ما حدث في أوكرانيا وغزّة وفنزويلا، ويحدث حالياً في إيران، وقد يحدث في مناطق أخرى من العالم، يفتح الباب على مصراعيه أمام حالة من السيولة العسكرية وعدم الاستقرار والتسيُّب والفوضى.
ومع انكفاء الأمم المتحدة وعجز هياكلها عن القيام بالمهام المنوطة بها، تتفاقم هذه الحالة وتنذر بما هو أسوأ.
كشف الموقف الإسباني بشأن الحرب على إيران جانباً من تعقيدات اتفاقات التعاون العسكري التي تربط الولايات المتحدة بغيرها من الدول الأوروبية؛ إذ يسائل استخدامُ واشنطن قواعدها ضمن منظومتها العسكرية أو حتى ضمن منظومة" ناتو" الطبيعة القانونية والسياسية لهذه الاتفاقات.
تُدرك حكومة بيدرو سانشيز الأهمية الاستراتيجية لقاعدتَي روطا ومورون في شبكة القوة والهيمنة الأميركية، مثلما تدرك أيضاً أنّ سماحها باستخدام واشنطن هاتَين القاعدتَين سيعزّز علاقة مدريد بها، لكنّه ينطوي على مخاطر جمّة، أبرزها أنّ ذلك قد يجرّ إسبانيا إلى مستنقع حرب كبرى في الشرق الأوسط لا ناقة لها ولا جمل.
في المقابل، يبدو أن التقييم الأميركي لإسبانيا فاعلاً إقليمياً ودولياً في غاية الأهمية، بالنظر إلى ما يمكن أن تكون عليه العلاقات الأميركية الإسبانية بعد التحوّل الطارئ في الموقف الإسباني.
ويمكن القول إنّ إسبانيا باتت تقترب أكثر فأكثر من وضع" الشريك غير الموثوق به" بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
فتوظيف ما تتيحه القاعدتان الإسبانيتان من موارد ومقدرات ليس مجرّد شأن فنّي بحت بقدر ما هو، في المحصّلة، قرار سياسي واستراتيجي.
وهو ما يرى فيه محلّلون إسبان مجازفةً أمام قوة الولايات المتحدة وسطوتها المعلومة على الصعيد الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك