كان يحلو للشاعر الراحل محمّد سليمان (1946– 2026)، الذي رحل من دنيانا قبل أيّام، أن يقول في نهاية كلّ سهرة معنا، وهو يقف بهامته الفارعة وكتبه المشتراة التي يضعها دائماً تحت إبطه: " يلا.
تصبحوا على خير".
لم أره طوال سنوات عمري في القاهرة التي جاوزت الثلاثين عاماً غاضباً من أحد، أو منتظراً جائزةً أو دعوةً أو أيّ شيء، بل تراه جالساً في شبه اكتفاء، كطير مالك الحزين، في صمت أو دردشة يؤثرها دائماً مع سعيد الكفراوي، أو شاكر عبد الحميد، أو محمّد مستجاب، أو الشاعر نصّار عبد الله لو كان موجوداً، وهو قليل الظهور.
واللافت هنا أنّ الثلاثة رحلوا تباعاً، وأطال الله في عمر رابعهم نصّار عبد الله، فهل حين تضيق الدنيا علينا برحيل الأحبّة يكون ذلك علامة على اقتراب الأجل؟كان محمّد سليمان يعمل صيدلياً، وغالباً كان يسمّي الصيدلية بـ" الدّكّان".
لم يكن محترفاً للكسب، لأنّ الشعر كان شاغله من دون إعلان ولا جري وراء أيّ مكسب منه؛ كان الشعر دكّاناً صغيراً خاصّاً به من دون مزاحمة أحد، ودكّان رزقه، الصيدلية، لم يكن يهتم بها كاهتمام أصحاب الأعمال، بل كان في خلفية حياته تماماً وراء الشعر، ولذا سمّى صيدليته بـ" الدّكّان"، إمعاناً في قلّة شأنها لديه، شاعراً، رغم أنّ دكّانه كان بمثابة رزقه الوحيد، ولعلّ ذلك كلّه هو ما أغناه عن الأطماع، وظلّ هاوياً للشعر وحرّاً في انتمائه إلى الجماعات الشعرية والشِّلل، وظلّ محتمياً بالشعر وحده من دون تنظير أو تعصّب أو الجري وراء شكلانية ما، كان يكتب كما يتحدّث في هدوء وسكينة، محتمياً ببيته وأولاده وعمله البسيط في" دكّانه" من دون أن يتورّط في عنتريات تنظيرية، وإن كان قد ناله نصيب بسيط من السجن، خرج بعده أكثر صلابةً وإخلاصاً للقصيدة، من دون ادّعاء بطولةٍ ما كما يحدث لكثيرين.
كنت دائماً أراه مستودع أسرار لا يتكلّم إلا في ما ندر، بل يعرف الدهاليز ولكنّه يكتب ويعيش سعاداته البسيطة في سهرة، ويعود إلى بيته وأولاده دائماً مثل مالك الحزين، بعدما اختار بعناية شجرته أو نخلته التي قرّر أن يظلّ تحتها ساهراً مع أحزانه كي يكتب قصيدته أو كتبه قليلة العدد بالمقارنة بعمره الطويل في الشعر، من دون أيّ تزاحم على الموائد، اللهم إلا عضوية في لجنة الشعر لسنة أو سنتَين، ثم يترك مقعده ويعود إلى بيته وشعره وعمله في" دكّانه"، من دون أن يتحوّل إلى مستثمر في شيء أبداً.
كان محمّد سليمان يعامل جيلنا الأصغر سنّاً بمودّة ما، وأحياناً كان ينصحنا أخاً، وغالباً تكون النصيحة في الحياة العامة، خاصّة لو انخرط بعضنا في اتجاه يراه غير صائب، وهو الفلّاح الصبور على لؤم القاهرة وخبثها وعارفاً كيفية إدارة طاحونتها القاسية.
كان سليمان يمتلك ناصية النصيحة بمودّة كبيرة ومن دون مكر أو استعلاء، وفي الأسبوع التالي يقرأ لأحدنا قصّةً أو قصيدةً في مجلّة أو جريدة، فيبتسم ابتسامته التي لا تستطيع أن تدرك تفاصيلها ويقول قولته المعهودة من دون أستاذية أو ادّعاء معرفة أو تقعر: " حلوة يا ولد اللقطة بتاعة الستّ التركية"، أو" خليك حلو على طول"، وهكذا تبدأ السهرة، ويظلّ سليمان المتابع للكتب يرحّب ويبتسم وهو جالس مثل" سليمان الملك" يستطيب سماعها، أو مثل طير مالك الحزين القادم من قريته مليج التابعة للمنوفية، وقد حطّ توّاً على شجرتنا تلك كي تطيب السهرة.
وكعادته دائماً يطوي كتبه تحت إبطه قائلاً جملته المعهودة" يلا.
تصبحوا على خير"، أو يقول لمستجاب: " اتصل يا عمدة"، أو لشاكر عبد الحميد" ميعادنا زي ما هو مع الواد كشيك".
هامة ممتدّة بلا أطماع ولا أحلام عريضة، بل تواضع حتى أمام ما يكتبه هو، وبُعد تام عن العكننة أو ما يعكّر صفو جلسته التي دائماً ما تكون مختارةً من دون أن يتعالى أو يتجاهل الأصغر سنّاً من شباب الكتّاب؛ في ساعة جميلة من ليل في سهرة، مال إليّ وقال: " يا ولد، خلّي بالك.
لازم يكون لك أصحاب من خارج الأدب".
تأمّلت الآن لماذا قال لي محمّد سليمان هذه الكلمات، خاصّةً أنّني تركت القاهرة من سنوات تسع وعدت إلى بلدتي الصغيرة سمالوط وداخل منطقتي القديمة" النخل"، وبنيت بيتاً صغيراً يعلوه الحمام، وصار لي ذلك القطّ الذي لا ينام إلا بالقرب منّي، ويغار حتى من يدي حين تمتدّ حاملةً الماء إلى عصفورين في قفص، هل كان محمّد سليمان في تلك الساعة، وفي تلك السهرة، يحدّثني بقصيدة سيكتبها هو، وهو على مشارف الثمانين بعنوان" لا أحد سيميل عليك":أقرُّ/ مثل النيل/ لم أفز بجائزة/ ومثله غدوت ربّما قديماً/ وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا/ وحيداً وفارغ اليدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك