بخلاف الاعتقاد الشائع عن الذكاء الاصطناعي بوصفه طفرة تقنية معاصرة؛ فإن التأمل في امتداده التاريخي يكشف عن مسار معرفي طويل، تداخلت فيه الفلسفة بالرياضيات، والتجريب بالمنطق، وتراكمت خلاله تصورات الإنسان عن العقل والآلة عبر قرون.
من زاوية النظر هذه، يسعى الباحث المغربي عبد الصمد الفاطمي في كتابه" فجر الذكاء الاصطناعي الشامل مسيرة التكوين والرهانات العربية" (دار توبقال للنشر، 2026)، إلى إعادة تأطير الذكاء الاصطناعي داخل سياق حضاري أوسع، بوصفه امتداداً لذاكرة فكرية عميقة ومتشعبة، تعود جذورها إلى الحضارة الإسلامية، حيث أرست مؤسساتها العلمية مثل" بيت الحكمة" أسس التفكير المنهجي.
انطلاقاً من هذا التصور يستعرض الكتاب إسهامات أبرز المفكرين والعلماء المسلمين، من الخوارزمي الذي أسس القواعد الإجرائية للجبر والخوارزميات، إلى الكندي الذي طور الاستدلال الإحصائي، وابن الهيثم الذي رسّخ المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتحقق، وصولاً إلى الفارابي وابن سينا اللذين بلورا أنظمة منطقية ومفاهيمية تماثل في جوهرها ما تقوم به الأنظمة الذكية الحديثة.
بخصوص التحول الحديث، يشير الفاطمي إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ مساره التقني مع آلان تورينغ سنة 1950، حين انتقل النقاش من التأمل الفلسفي إلى الإطار العلمي، قبل أن يتبلور المصطلح رسمياً عام 1956 في مؤتمر دارتموث بقيادة جون ماكارثي.
منذ ذلك الحين، تطور المجال بين اتجاهين رئيسين: رمزي يعتمد على القواعد المنطقية، واتصالي يستلهم الشبكات العصبية.
بعد تطرق الباحث إلى تاريخ الذكاء الاصطناعي الحديث باعتباره مساراً غير خطّي يتأرجح بين الازدهار والركود، يخوض معه رحلة استقصاء معمّقة بدءاً من المبادئ الأساسية إلى نماذج اللغة العملاقة، قبل الانتقال المفاجئ الذي عرفه من كونه أداة تقنية، إلى رافعة لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، إذ تتصدر قوى كبرى هذا السياق، بينما تسعى أطراف أخرى إلى فرض نماذج تنظيمية تضبط مساره.
وفي موازاة ذلك، تتنافس الشركات العملاقة على الموارد الاستراتيجية ممّا يعمّق تركّز النفوذ في أيدي فاعلين محدّدين.
يُضيء إسهامات علماء أرسوا قواعد الجبر والخوارزمياتأما على مستوى سوق العمل، فيقود الذكاء الاصطناعي تحولات بنيوية عميقة؛ حيث يسوق الكاتب تصور عالم الكمبيوتر كاي فو لي الذي يميز بين وظائف قابلة للأتمتة وأُخرى أكثر مقاومة لها، خاصة تلك التي تقوم على التفاعل الإنساني والإبداع.
غير أن المفارقة، كما يشير الباحث، تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية في مهام محدّدة، مقابل صعوبة ترجمة ذلك إلى عوائد اقتصادية واسعة، بسبب الحاجة الدائمة إلى التحقق من مخرجاته.
كذلك يستعرض الفاطمي المخاطر الأخلاقية والتقنية.
فالأنظمة الذكية لا تعكس تحيزات البشر فحسب، بل تضخمها، كما تفتح الباب أمام انتهاكات الخصوصية وانتشار التزييف العميق.
ليبرز خطر هيكلي يتمثل في هيمنة الشركات الكبرى على البيانات والمواهب والبنية التحتية الحاسوبية، واحتكار المعرفة وتوجيه مسارات البحث.
كما تظهر مخاطر تقنية مثل تسمم البيانات وانهيار النماذج، فضلاً عن تراجع القدرات المعرفية البشرية.
يتطرق إلى طرق السيادة الرقمية العربية وتجاوز الاستهلاكعلى مستوى أعمق، يناقش الباحث في استحضاره لأطروحات نيك بوستروم، احتمالية فقدان السيطرة على أنظمة قد تتجاوز الذكاء البشري، وتسعى لتحقيق أهدافها بمعزل عن القيم الإنسانية.
من هنا تبرز ضرورة بناء حوكمة متعددة المستويات تجمع بين الأخلاق والتقنية والقانون، لتجنب الانزلاق نحو كارثة أو نحو أنظمة مراقبة شاملة.
السيادة الرقمية على المحكفي التحليل النقدي للاستراتيجيات العربية يضع الفاطمي المنطقة العربية أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في موقع المستهلك للتكنولوجيا، أو التحول إلى فاعل يمتلك أدواته وسيادته الرقمية.
ويتناول الباحث بالدرس والتحليل ثلاثة نماذج عربية مختلفة: الإمارات في رهانها على الاستثمار والبنية التحتية، والسعودية التي تتبع الرؤية الاستراتيجية، ثم المغرب الذي يركز على تنمية الكفاءات البشرية.
غير أن هذه النماذج، رغم طموحها الواضح تواجه في الواقع تحديات تتعلق بالتعليم والبنية التحتية والحوكمة.
ومن خلال مقارنتها بتجارب دولية ناجحة مثل إستونيا، وكازاخستان وكوريا الجنوبية، يخلص الفاطمي إلى أن النجاح لا يقوم على الموارد وحدها، بقدر ما يتحقق عبر جودة المؤسسات وتكامل السياسات، حيث يظل الذكاء الاصطناعي قوة مزدوجة، يتحدد أثرها وفق كيفية توجيهها.
يقترح الفاطمي الانتقال من التنافس الإقليمي العربي الذي يؤدي إلى هدر الموارد وإضعاف الموقف الجماعي، إلى التكامل عبر أقاليم رقمية مشتركة.
وإنشاء مؤسسات إقليمية موحدة وتنسيق الأطر القانونية والأخلاقية، مع توجيه صناديق الثروة السيادية نحو استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك