في خضم اشتعال جبهات القتال وانهيار شبه تام للخدمات الأساسية، جاء قرار إعفاء الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين من منصب رئيس أركان القوات المسلحة، وتعيين الفريق أول ركن ياسر العطا خلفاً له، ليكشف عن أكثر من مجرد تغيير قيادي.
إنه أشبه بـ”إنزال جوي” في منطقة مليئة بالألغام السياسية والأيديولوجيةهذا التحليل لا يقرأ القرار كحدث لحظي، بل كحلقة في سلسلة طويلة من إعادة تعريف “من يتحكم بمن” داخل المؤسسة العسكرية، وسط حرب وجودية تمزق السودان.
سنتجاوز هنا قراءة “تعزيز التماسك” إلى استكشاف احتمالات “الانفجار الداخلي الصامت”، وعلاقة هذا القرار بمستقبل المفاوضات، وموقف القوى الإقليميةأولاً – ياسر العطا… أكثر من مجرد “رجل ميداني”الصورة النمطية للعطا كقائد ميداني ناجح في أمدرمان تحتاج إلى تطوير.
العطا يمثل تياراً سياسياً وعسكرياً محدداً، هو تيار “القومية العسكرية المتشددة” المناهضة للإسلاميين السياسيين (ليس بالضرورة العسكريين ذوي الخلفية الإسلامية) والمناوئة للدعم السريع بلا هوادة.
اختياره يعني توجيه ضربة مزدوجة و الأولى للإسلاميين الذين كانوا يرون في الحسين (المقرب منهم نسبياً) سقفاً لطموحاتهم.
الثانية للدعم السريع، حيث العطا هو المهندس الفعلي لاستراتيجية “المدن الثلاث” (الخرطوم، بحري، أمدرمان) القائمة على حرب الاستنزاف والضغط المتواصلتحويل رئاسة الأركان من موقع “إداري-تنسيقي” إلى موقع “عملياتي-قتالي” العطا لن يكون مجرد منسق؛ سيكون قائداً فعلياً للعمليات، مما يقلص دور القادة الميدانيين الآخرينهذا يخلق توتراً جديداً مع قادة الفرق والألوية الذين قد يرون في تدخل العطا المباشر تقويضاً لصلاحياتهمثانياً- معضلة الإسلاميين من “التوازن” إلى “الاستقطاب الحاد”التحليل السليم لا يتحدث عن “تحدي التوازن” بقدر ما يتحدث عن “حرب استنزاف موازية” داخل الجيش.
المشكلة ليست مجرد “ولاءات مزدوجة”، بل وجود شبكات كاملة من الضباط والضباط الصف الذين تخرجوا من مدارس النظام القديم (مثل كلية القادة والأركان في فترات معينة).
قرار إقالة الحسين قد يكون البداية لـتصفية حسابات بطيئة بدلاً من الحركة الواسعة (التي قد تؤدي لتمرد داخلي)، سنشهد سلسلة من الإحالات للتقاعد المبكر، والتعيينات في مراكز “شرفية” بعيدة عن غرف العملياتلكن الخطر أن يدفع هذا بعض العناصر الإسلامية إلى خيارات متطرفة، مثل التعطيل المتعمد للإمدادات، أو تسريب معلومات للدعم السريعإعادة تعريف “العدو” في الأدبيات الإسلامية داخل الجيش، كان “العدو” هو الدعم السريعلكن مع تهميشهم، قد يتحول “العدو” الجديد إلى “التيار العلماني المتغرب” الذي يمثله العطا والبرهان (كما يرون) وهذا تحول خطير يهدد الوحدة القتاليةثالثاً – التداعيات الإقليمية والدولية رسائل متضاربةللخارج (الغرب والإمارات) القرار يقرأ كرسالة بأن البرهان يمسك بزمام الأمورلكن العطا المعروف بمواقفه المتصلبة تجاه قوى إقليمية معينة (مثل دعم الإمارات المزعوم للدعم السريع) قد يعقد جهود الوساطةالإمارات قد ترى في العطا “عدواً” جديداً، مما يزيد من تعقيد ملف إمدادات الجيش (التي تمر أحياناً عبر قنوات خليجية)للإقليم (تشاد، مصر، إريتريا) العطا له علاقات وثيقة مع مصر (عسكرياً وسياسياً).
تعزيز موقعه قد يعني توجهاً أكثر وضوحاً نحو “المحور المصري” مقابل “المحور الخليجي الآخر” , و كما أن علاقاته المتوترة تاريخياً مع تشاد قد تؤثر على أمن الحدودرابعاً- الأثر على الميدان والإنساني بين “الجراحة العسكرية” و”الكارثة المتفاقمة”التحليل السابق ذكر أرقام النزوح والمجاعة.
لكن التطوير المطلوب هو ربط القيادة الجديدة مباشرة بمعضلة “كيف تنهي حرباً دون تفاوض مع عدو تعتبره ‘إرهابياً’؟ ”السيناريو المطروح للعطا الاعتقاد بأنه يمكن تحقيق “حسم عسكري” عبر السيطرة على دارفور والخرطوم بالكاملهذا يعني رفض أي تفاوض مع الدعم السريع، مما يطيل أمد الحربالتأثير الإنساني المباشر استمرار تدفق النازحين، ووصول المجاعة إلى مراحل كارثية في مخيمات زمزم وأبو شوكالثمن السياسي تجاهل الحل السياسي سيعزل البرهان والعطا دولياً، وقد يدفع الولايات المتحدة لفرض عقوبات على قادة الجيش (بدلاً من الاقتصار على الدعم السريع) و هذا سيؤدي لانهيار قيمة العملة وشلل كامل للخدماتإن تعيين الفريق أول ياسر العطا ليس مجرد “إعادة تموضع سياسي داخل خندق الجيش”، بل هو إعلان شبه رسمي عن نهاية عصر “الجيش المتوازن” وبداية عصر “الجيش الطارئ” بقيادة عسكرية ذات توجه قتالي صرف.
النجاح الميداني للعطا (إن تحقق) قد يكون كارثة سياسية وإنسانية، والفشل الميداني سيعني انهياراً كاملاً للمركزالسؤال الحقيقي اليوم ليس “هل يمهد الطريق لحسم عسكري؟ ”، بل “هل يقود هذا القرار الجيش نحو انتصار مكلف (وهمي) أم نحو انقسام أفقي جديد يضاف إلى انقسامات السودان الرأسية؟ ” وما بينهما، سيدفع المدنيون الثمن الأعلى في حرب لا تلوح في أفقها نهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك