تتزايد في الولايات المتحدة المخاوف لدى الاقتصاديين والسياسيين من التداعيات المتزايدة للحرب الدائرة في المنطقة حالياً على الاقتصاد الأميركي، لا سيما ما يتعلق بنفقات المستهلكين.
وعلى الرغم من أنّ الاقتصاد الأميركي بما لديه من وفرة في الطاقة، لن يكون عرضة للاهتزازات التي تشهدها دول أخرى في أوروبا وآسيا من جراء أسعار الطاقة وانقطاع الإمدادات من منطقة الخليج، إلا أنّ التغيرات النسبية في هذا الاقتصاد، التي ستعكسها الأسعار العالمية للطاقة والأسمدة، ستكون أكثر إثارة للتذمر الشعبي.
قبل الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط الماضي، كان الاقتصاد الأميركي يسير في وضع قوي رغم المخاوف من رسوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمركية وحروبه التجارية، فقد صمد الاقتصاد أمام فوضى التجارة واضطرابات سوق الوظائف، والتقلبات الحادة في سوق الأسهم، فيما كانت أسعار البنزين، وهو السلعة الأكثر حيوية للأميركيين، تقل عن ثلاثة دولارات للغالون.
لكن المراقبين يقولون إن هذا الاقتصاد القوي لم يعد محصناً بالكامل من تداعيات الحرب مع إيران، فقد قفزت أسعار الوقود، ما أثقل كاهل الأميركيين والشركات التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة.
وحذر محللون من نقص محتمل في الأسمدة اللازمة للزراعة، والهيليوم الذي يُعد مكوناً أساسياً للأجهزة الطبية وصناعة الرقائق.
كما أن معاناة أوروبا تؤثر أيضاً على الولايات المتحدة، إذ قد يفقد العملاء الأجانب القدرة الشرائية مع تراجع اقتصاداتهم.
ومع تزايد المخاوف من حرب يطول أمدها، تتراجع شعبية ترامب ونسبة التأييد لحربه على إيران، وثمة مخاوف تنتاب المحللين، وفق ما تفيد به صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، من تباطؤ اقتصادي أو حتى ركود.
وإذا ظلت أسعار الوقود مرتفعة لأسابيع إضافية، فقد يؤثر ذلك سلباً على النمو الاقتصادي، بحسب بعض الاقتصاديين، الذين يرون أن بضعة أشهر من ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد قد توقف النمو تماماً وتدفع الاقتصاد الأميركي إلى الركود.
ويُعد الساحل الغربي أكثر عرضة للتأثر بتداعيات الشرق الأوسط.
إذ تستورد كاليفورنيا نحو 18% من احتياجاتها من النفط الخام من الخليج، بينما تعتمد ولايات أخرى بشكل أكبر على كندا وأميركا اللاتينية.
ومن المتوقع أن تصبح شحنات البنزين ووقود الطائرات ومنتجات مكررة أخرى أكثر ندرة اعتباراً من مايو/ أيار أو يونيو/ حزيران.
يشير المحللون كذلك إلى اعتماد القطاع الزراعي والمستشفيات ومصانع الرقائق الإلكترونية على سلع تمر عبر مضيق هرمز.
وقد ارتفعت أسعار الأسمدة مثل اليوريا بشكل حاد، وقد يؤدي انخفاض الإمدادات إلى تراجع إنتاج المحاصيل في المواسم المقبلة.
وتستحوذ قطر على نحو 35% من إنتاج الهيليوم عالمياً، وهو عنصر أساسي لتبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وصناعة أشباه الموصلات.
وإذا استمر تعطل الإمدادات القطرية من أربعة إلى ثمانية أسابيع أخرى، فقد يؤدي ذلك إلى نقص يعرقل إنتاج الرقائق المتقدمة.
وقد ارتفع متوسط سعر البنزين سريعاً إلى أكثر من 4 دولارات للغالون، ما يضر بذوي الدخل المنخفض، بينما ارتفعت أسعار الديزل الضروري لقطاع النقل بنسبة 47% منذ بدء الحرب لتتجاوز 5.
50 دولار للغالون.
آثار ممتدة على الاقتصاد الأميركيلكن نهاية الحرب خلال أسبوعين أو ثلاثة لن تعني أنّ الاقتصاد الأميركي سيكون بمعزل عن أي تداعيات، فقطاع الطاقة المتضرر من انقطاع 20% من إمدادات النقص والطاقة العالمية من الخليج، لن يعود إلى طبيعة نشاطه بمجرد توقف المعارك.
فالبنية التحتية للطاقة المتضررة في منطقة الخليج قد تستغرق سنوات لإصلاحها.
وقد تستمر أيضاً أسعار الوقود المرتفعة، لأن الشركات غالباً ما تتباطأ في خفض الأسعار بعد تراجع التكاليف.
ومن الناحية الهندسية، يكون إيقاف آبار النفط أسهل من إعادة تشغيلها.
وفي هذه الحالة، فإن استمرار ارتفاع أسعار الوقود، وخسائر الأسواق المالية، ونقص السلع سيضغط على إنفاق المستهلكين، لا سيما ذوي الدخل المحدود الذين بدأ بعضهم بالفعل في تقليص السفر والنفقات غير الضرورية.
وبحسب تحليل نشره معهد أبحاث" أميركان إنتربرايس"، في مارس/ آذار الماضي، فإن التقديرات السائدة تشير إلى أن كل زيادة مستدامة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط يمكن أن ترفع معدل التضخم بنحو 0.
3 نقطة مئوية، وتخفض الناتج الاقتصادي بين 0.
1 و0.
2 نقطة مئوية.
وهذا يعني أنه إذا استقرت أسعار النفط عند نحو 100 دولار للبرميل، كما توحي به سوق العقود الآجلة، فقد يرتفع التضخم بنحو 1.
25 نقطة مئوية، بينما قد ينخفض الناتج بين 0.
5 و0.
75 نقطة مئوية.
ومن البديهي أنه إذا ارتفعت الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل، كما تحذر" غولدمان ساكس" في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، فإن التأثير السلبي سيكون أكبر بكثير.
شركات الذكاء الاصطناعي وقطاعات أخرىقبل الحرب، مثلت شركات قطاع الذكاء الاصطناعي ومنتجاته قاطرة لسوق الأسهم الأميركية على مدى عام تقريباً، لكن المحللين يرون أن هذا القطاع الذي يعتمد على استهلاك الطاقة بشكل كبير، قد يتعرض لاهتزازات بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً.
قلق رئيسي آخر، يتعلق بأسعار الفائدة الأميركية، إذ إنّ أسعار الفائدة طويلة الأجل، وبهدف كبح جماح التضخم قد تكون مرشحة للارتفاع، لا سيما أنّ الولايات المتحدة دخلت الحرب بوضع مالي عام غير مستدام.
فبحسب مكتب الميزانية في الكونغرس، كان من المتوقع أن يتجاوز عجز الموازنة 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يتجاوز الدين العام بحلول 2030 مستواه بعد الحرب العالمية الثانية.
كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك كلفة الحرب التي تتراوح بين مليار وملياري دولار يومياً، إضافة إلى الحاجة لردع روسيا والصين، قد تضيف أعباء كبيرة على الموازنة.
ويعزّز احتمال ارتفاع الفائدة طويلة الأجل أن عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ارتفعت بنحو 30 نقطة أساس منذ بداية الحرب، لتصل إلى 4.
25%.
وقد يكون ذلك مؤشراً على تراجع شهية المستثمرين الأجانب لهذه السندات، خصوصاً أن الظروف الجيوسياسية المضطربة عادة ما تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل السندات الأميركية، ما يؤدي إلى خفض عوائدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك