طوال عقود، تنقّلت الكائنات الفضائية في وعينا بين شاشات السينما المشبعة بسرديات الغزو، وبين فرضيات العلم الحذرة.
اليوم، يتلاشى ذلك الحد الفاصل بين المتخيَّل والموثَّق، مع تصدّر الملفات الحكومية السرية والتقارير الرسمية مشهد النقاش العام.
لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت هذه الكائنات موجودة في" قصصنا" فحسب، بل بات يتعلق بمدى اقتراب الواقع من تلك الصور التي ألِفناها على الشاشة.
إنها مواجهةٌ متجددة بين إرث هوليوود البصري ومحاولات العلم تفكيك لغزٍ عاد ليتصدر الواجهة بصيغة هي الأكثر جدية في التاريخ الحديث.
وقبل أن تجتاح أفلام الزومبي الشاشات، وهي تتمايل وتلتهم من لم يتمكن من الفرار، كانت الكائنات الفضائية الآتية من الفضاء الخارجي تهيمن على دور السينما، وساحات العرض المفتوحة، وبرامج أفلام الوحوش التي كانت تُعرض في وقتٍ متأخر من ليالي السبت على التلفزيون.
ورغم أن هوليوود لا تزال تتحكم إلى حدٍّ كبير في كيفية تخيّل الأميركيين لتلك الكائنات الخضراء الصغيرة ذات العيون الكبيرة والرؤوس الأكبر، فإن الخط الفاصل بين الخيال والواقع قد يتلاشى قريباً، أو ربما يتبيّن أنه لم يكن موجوداً أصلاً، إذا ما كشفت الوكالات الحكومية ملفاتها السرية المتعلقة بالكائنات خارج الأرض والأجسام الطائرة المجهولة، كما دعا إلى ذلك الرئيس دونالد ترامب في فبراير/شباط الماضي.
وساهمت أعمال الخيال العلمي في تشكيل تصورات الناس عن الحياة الذكية في الكون، سواء عبر قصص الغزو، أو كائنات تأتي لتحذيرنا من أننا نسير في الطريق الخطأ، أو أخرى تحاول التواصل معنا ومساعدتنا، أو حتى مجرد إلقاء التحية، بحسب ما تقول أستاذة جامعة ديوك بريسيلا والد، التي تُدرّس مساقاً عن الخيال العلمي والسينما.
جاء إعلان ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن ألمح الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ردّاً على سؤال أحد مُقدّمي البودكاست، إن الكائنات الفضائية" حقيقية"، قبل أن يوضح لاحقاً أنه لم يرَ دليلاً على تواصلها مع البشر، مشيراً إلى أن اتساع الكون يجعل احتمال وجود حياة في أماكن أخرى أمراً مرجحاً.
تصوّر الأفلام هذه الكائنات وكأنها موجودة في كل مكان تقريباً، من حقل ذرة في ولاية بنسلفانيا في فيلم" ساينز" (Signs)، إلى برج ديفلز تاور في وايومنغ في فيلم" كلوز إنكاونترز أوف ذا ثيرد كايند" (Close Encounters of the Third Kind)، وصولاً إلى أدغال أميركا الوسطى في فيلم" بريداتور" (Predator).
يقول الأميرال المتقاعد في البحرية الأميركية تيموثي غالوديت: " كانت هوليوود، في الأساس، تُهيّئ الجمهور لهذا الأمر"، في إشارة إلى احتمال الكشف عن وجود حياة ذكية خارج الأرض وزيارتها لكوكبنا.
يضيف: " أعتقد أن الناس يمكنهم التعامل مع ذلك، لكن الأمر يعتمد، بالطبع، على طبيعة المعلومات التي ستُكشف".
ازداد اهتمام الأميركيين بالحياة خارج الأرض بعد العثور عام 1947 على حطام قرب روزويل في نيو مكسيكو، حيث أعلن الجيش في البداية أن المواد تعود إلى طبق طائر، قبل أن يتراجع ويقول إنها منطاد طقس.
التقطت هوليوود الفكرة سريعاً، وأصبحت الأطباق الطائرة والكائنات الخضراء، ولاحقاً الكائنات الرمادية الشبيهة بالبشر، جزءاً من الثقافة الشعبية.
حتى إن الخامس من إبريل/نيسان يُحتفل به سنوياً في عالم" ستار تريك" (Star Trek) باعتباره" يوم الاتصال الأول"، وهو التاريخ الذي يُفترض أنه شهد أول تواصل بين البشر وكائنات فولكان (Vulcans) في عام 2063 وفق أحداث السلسلة.
تشير كثير من الأعمال في الثقافة الشعبية إلى أن الكائنات الفضائية قد تكون عدوانية.
وترى الباحثة بريسيلا والد أن ذلك انعكاس لطبيعتنا نحن.
توضح: " يبدو لي أنه انعكاس لما نحن عليه، فنحن نسقط على الفضائيين الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا بعضاً.
لذا، نتصور أنهم سيأتون لغزونا، وأنهم عنيفون.
بمن يذكّركم ذلك؟ إنه يشبهنا نحن".
بعد نحو ثلاث سنوات من حادثة روزويل، وصل فيلم" ذا فلاينغ ساوسر" (The Flying Saucer) إلى دور العرض، تلاه عدد من الأفلام منخفضة التكلفة، التي نُسي معظمها، في حين بقيت أعمال أخرى مؤثرة لدى عشاق الخيال العلمي، مثل فيلم" ذا داي ذا إيرث ستود ستيل" (The Day the Earth Stood Still) عام 1951.
توضح بريسيلا والد: " إذا عدنا إلى ازدهار أفلام الكائنات الفضائية، فسنجد أنه بدأ فعلياً في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي".
وتضيف، في حديثها عن الفيلم: " الكائنات الفضائية فيه مسالمة، تأتي لتحذيرنا بعد حرب نووية، وتنبهنا إلى أننا نخلق مشكلات في الكون، وإذا لم نتوقف، فسيتعيّن عليها التدخل".
في المقابل، تصوّر أعمال أخرى هذه الكائنات بنيّات خبيثة، إذ تأتي لقتل البشر، أو للسيطرة على الأرض، وأحياناً حتى لتحويلنا إلى طعام.
تقول والد: " أعتقد أنه إذا اكتشفنا أن الكائنات الفضائية في طريقها إلينا، فستكون هناك ردات فعل متباينة.
سيكون هناك من يرحّب بهم، وآخرون سينزلون إلى الأقبية ويخزنون الطعام المعلّب".
يتلاشى الحد الفاصل بين خيال الكائنات الفضائية وتقارير الحكومات، مع تصاعد الحديث عن ظواهر لم يعد تفسيرها سهلاًوأخرج ستيفن سبيلبرغ عدداً من الأفلام الناجحة، مثل" إي.
تي: ذا إكسترا تيريستريال" (E.
T.
The Extra-Terrestrial) عام 1982، و" كلوز إنكاونترز أوف ذا ثيرد كايند" (Close Encounters of the Third Kind).
ويطرح فيلمه المقبل" ديسكلوجر داي" (Disclosure Day) سؤالاً لافتاً: " إذا اكتشفت أننا لسنا وحدنا، وإذا أثبت أحدهم لك ذلك، فهل سيخيفك؟ ".
توازياً مع ذلك، يتزايد الاهتمام بالأجسام الطائرة المجهولة مع عودة الولايات المتحدة نحو القمر، عبر إطلاق مهمة" أرتميس 2" التابعة لوكالة ناسا، إذ يحلّق أربعة رواد فضاء حول القمر قبل العودة إلى الأرض.
يتبنى غالبية الأميركيين الشعار الشهير لمسلسل" إكس فايلز" (The X-Files): " الحقيقة موجودة هناك".
وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2021 أن نحو ثلثي الأميركيين يعتقدون أن الحياة الذكية موجودة على كواكب أخرى، فيما يرى نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة أن الأجسام الطائرة التي أبلغ عنها عسكريون" على الأرجح" أو" بالتأكيد" دليل على وجود حياة خارج الأرض.
لم تعد الكائنات الفضائية مجرد سرديات سينمائية، بل صارت موضوعاً لنقاش علمي ورسمي يتقدم إلى واجهة الاهتمام العاميقول رئيس معهد البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI Institute)، بيل دايموند: " لا نريد أن نعتقد أن هذا هو المكان الوحيد في هذا الكون الهائل، حيث نشأت الحياة والذكاء وحتى التكنولوجيا".
يضيف: " نحن لا نريد أن نكون وحدنا".
في عام 2024، نشر البنتاغون مئات التقارير عن ظواهر جوية غير معرّفة، من دون أن يتضمن ذلك أي دليل على أنها ذات أصل خارج الأرض.
وفي مناسبتين منفصلتين، شاهدت ديبي ديميترو، وهي طبيبة تبلغ من العمر 56 عاماً، أشياء في السماء فوق مقاطعة أوكلاند جنوب ولاية ميشيغن.
الجسم الأخضر الذي رأته في الأول من مارس/آذار الماضي فوق رويال أوك لم يكن يشبه طائرة ولا مروحية، لكنها لم تستبعد أن يكون طائرة مسيّرة.
أما ما رأته في عام 2023 شمال ديترويت، فكان أصعب تفسيراً.
تقول: " كانت أربعة أضواء صفراء مائلة إلى الذهبي، وكانت تحلّق على ارتفاع منخفض جداً، من دون أي صوت وبانسجام كامل.
هل هي من صنع البشر؟ أم لا؟ من يدري؟ ".
منذ حادثة روزويل، شكّلت الأطباق الطائرة جزءاً من الوعي الشعبي، بينما بقيت الحقيقة العلمية موضع شك وتساؤلفي السنوات الأخيرة، استُبدل مصطلح" الأجسام الطائرة المجهولة" (UFO) بمصطلح" الظواهر الجوية غير المعرّفة (UAP).
يؤكد دايموند: " بالتأكيد، هناك ظواهر كهذه"، موضحاً أن الناس يرصدون أشياء في السماء لا يمكنهم التعرف إليها فوراً.
ومثل كثيرين، تريد ديميترو معرفة ما تعرفه الحكومة، قائلةً: " أعتقد أن هناك معلومات أكثر مما هو معلن.
الأمر دائماً يتعلق بالدليل العلمي".
بدوره، يؤكد غالوديت أن هناك ظواهر تتحرك في الأجواء والمحيطات، مضيفاً: " الذكاء غير البشري الذي يشغّلها حقيقي، لكننا لا نعرف مصدره".
يرى أستاذ الفلك في جامعة ميشيغن إدوين بيرغين أن احتمال وجود حياة خارج الأرض مرتفع، نظراً إلى عدد المجرات الهائل، مرجحاً أنه إذا وصلت كائنات ذكية إلى الأرض، فإنها ستكشف عن نفسها.
يقول: " ربما سيروننا مجانين.
لكنهم سيظهرون".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك