حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تتوقف القاهرة عن لعب دور الوساطة في محاولة لتجنيب المنطقة أخطر سيناريوهات التصعيد منذ عقود، وهذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها القاهرة وسيطاً مقبولاً من كل الأطراف، ضمن وساطة معقدة.
ضمن التحريض الإخواني المعتاد، تبرز باستمرار رسائل إعلامية تسعى لترسيخ أكذوبة غياب الدور المصري أو ضعف تأثير القاهرة في محيطها الإقليمي كنتيجة للتحديات الاقتصادية، لكن الشدائد -كما في الحياة الشخصية- تُظهر حقيقة الدول ومدى ثقلها الفعلي.
كانت مصر في قلب الوساطة لحل ملف غزة، ولا تزال بالمناسبة، فمصر لم تنس غزة حتى بعد أن نسيها المزايدون، لا في التثبيت السياسي لوقف إطلاق النار وبدء إعادة الإعمار لاستكمال اتفاق شرم الشيخ، ولا حتى في إدخال المساعدات والدعم الإنساني لغزة.
والآن مصر في قلب مفاوضات إيقاف الحرب الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، فنحن نتحدث عن دولة خلال عام واحد كانت حاضرة وبقوة ضمن مشهدين من أعقد مشاهد المنطقة بل والعالم.
هذه «القدرات» السياسية لا يمكن أن تكون صدفة، فهي رصيد يُبنى شأنه شأن القدرات العسكرية والاقتصادية، فالثقل لا يُمنح والتأثير لا يكون مجاملة، وإنما حصاد لمسار تراكمي من الحكمة وعدم التورط.
خلال 13 عاماً، كان يمكن لمصر أن تتورط في العديد من المستنقعات، بعضها كان يحمل كل المقومات المنطقية لكي تندفع نحو استخدام القوة الخشنة لحماية الأمن القومي.
لكن القاهرة اختارت الصبر الاستراتيجي، وحكمة التصفية التدريجية الهادئة للتهديدات، وإذا نظرت الآن ستجد بعض أطراف تلك التهديدات قد أصبحوا شركاء، وهو ما يؤكد أن النهج كان سليماً، خصوصاً مع التطوير غير المسبوق للقدرات العسكرية، فهي إذن حكمة القوي، وليست حيلة العاجز.
ينظر البشر بفطرتهم إلى الحكمة بإعجاب وثقة، هذه طبيعة إنسانية لا يمكن تغييرها، وللأسباب السابقة تستطيع مصر لعب دور الوسيط الموثوق حتى مع الأطراف المتصارعة، وذلك لأنها دولة أثبتت في مواقف عدة أن الحكمة تؤتي ثمارها، كما أن خبرة المدرسة الدبلوماسية المصرية التاريخية، تعزز هذه الثقة، وهذا تماماً هو رصيد القدرات السياسية الذي نتحدث عنه، رصيد بُني بالمواقف والأزمات ولم يكن أبداً مجرد شعارات جوفاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك