منذ بداية العدوان الإسرائيلي - الأميركي على إيران، وعلى نحوٍ يومي تقريباً، تُستهدف تل أبيب ومنطقتها برشقات صاروخية إيرانية، منها ما يوقع قتلى ومصابين وأضراراً مادية جسيمة في مبانٍ ومركبات وبنى تحتية وغيرها، لكنّها عادة ما تطاول مدناً وبلدات معيّنة أكثر من غيرها، من بينها رمات غان، وبيتح تكفا، وبني براك، والتي تقع جميعها إلى الشرق من تل أبيب.
وكثيراً ما يتردّد اسم هذه المدن في الأخبار على نحوٍ لافت عقب رشقات صاروخية، حتى دون نشر إحصائيات دقيقة حولها، ما يثير تساؤلات في الشارع الإسرائيلي عمّا إذا كانت هذه الأماكن مستهدفة فعلاً أكثر من غيرها عن سبق إصرار، سواء من إيران أو حزب الله.
وانتشرت تصريحات لرئيس بلدية رمات غان، كرميل شاما هكوهين، حاول من خلالها إعطاء تفسير عقب سقوط رؤوس عنقودية على رمات غان يوم السبت الماضي، زاعماً أن أخطاء الإيرانيين في إصابة الأهداف في المنطقة تزيد من احتمالات تعريض المدينة لصواريخ وشظايا، وبحسب قوله: " نحن قلب غوش دان (منطقة تل أبيب الكبرى)، المسألة جغرافية، ولا شيء شخصياً للإيرانيين معنا (في رمات غان)، ولا توجد هنا أهداف لاستهدافها"، ولكن" أينما يوجّهون، إلى مطار بن غوريون أو إلى تل أبيب أو الأماكن الاستراتيجية، فيصيب ذلك رمات غان، لأنّ الإيرانيين للأسف لا يعرفون التصويب كما يجب".
ويبدو أن التعبير خان هكوهين، برأي إسرائيليين، عندما قال" للأسف"، ما أثار جدلاً، لكنه بالمقابل أثار تساؤلات لدى كثيرين في الوقت ذاته عن حجم سقوط الصواريخ والشظايا والرؤوس العنقودية في أماكن يُفهم من أقوال هكوهين وربما غيره بأنها" غير استراتيجية"، مثل رمات غان وبيتح تكفا وبني براك.
لكن هل التفسير فعلاً بهذه البساطة؟ أم ثمة أسباب أخرى؟ويشير التمعّن في خريطة المنطقة إلى أنّ الصواريخ الموجّهة من الشرق والشمال نحو تل أبيب ومحيطها قد تمرّ فوق هذه المناطق، وقد تُعترض فوقها قبل وصولها إلى تل أبيب نفسها أو إلى مواقع استراتيجية في المنطقة، وينتج عن عمليات الاعتراض تساقط شظايا الصواريخ الإيرانية والاعتراضية على تلك المدن.
أما في حالة الصواريخ العنقودية، فتنتشر رؤوسها على مساحات واسعة نسبياً، ويمكن أن تصيب مدن وبلدات عدّة في المنطقة.
ويفيد مراسل" العربي الجديد" بأن إسرائيل تتعمد، منذ بداية الحرب، التشويش على تقنيات وأنظمة تحديد المواقع، وهو ما فعلته أيضاً مباشرة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والعدوان على لبنان في حينه.
وتقدّم مصادر عبرية تفسيرات بأن أنظمة التشويش الواسعة تعمل على إرباك الصواريخ الدقيقة، ما قد يحرف مسارها قليلاً ويجعلها تسقط في مناطق مجاورة بدل ضرب هدفها الأصلي في تل أبيب.
هذا ما تفعله إيران برأي خبراء إسرائيليينفي تقرير حول الموضوع، أوضحت صحيفة غلوبس العبرية أنه لفهم ما يحدث من سقوط شظايا وصواريخ في تلك المدن المحيطة بتل أبيب، رغم أنها ليست المستهدفة بالضرورة، يجب أولاً الحديث عن الصواريخ العنقودية المتشظية التي يستخدمها الإيرانيون بوتيرة عالية نسبياً.
وتنقل عن دانييل بيخمت، خبير الحرب الجوية، قوله إنّ" الصاروخ العنقودي بطبيعته يتشتت أساساً على محور طول الصاروخ.
إذا فُتح العنقودي على ارتفاع عالٍ، كما يفعل الإيرانيون، تكون المسافة بين القنبلة والأخرى كبيرة، ويغطي الشريط كله عدة كيلومترات.
أي أنه إذا أُطلق من إيران إلى إسرائيل، فمعظمه ينتشر على محور شرق - غرب، إذ إنّ الصاروخ العنقودي ليس الهدف منه مدينة واحدة، حيث يوجّه الإيرانيون صاروخهم إلى نقطة وسطية ما، والقنابل تسقط على عدة مدن".
لكن إلى جانب نوع الذخيرة، يقدّم بيخمت تفسيراً إضافياً، وهو أنّ الإيرانيين لديهم مصلحة بعدم التصويب نحو تل أبيب تحديداً، ذلك أن" بيتح تكفا ورمات غان تقعان في مركز غوش دان، ومن المجدي أكثر التصويب نحوهما وليس نحو تل أبيب، لأن الكثير مما يُوجَّه إليها قد يسقط في البحر"، الذي يحدّ تل أبيب ويافا من الغرب.
وبالنسبة لكثرة السقوط في بني براك، يدّعي بيخمت أنه قد تكون للنظام الإيراني مصلحة واضحة في ذلك، لأنّ" بني براك هي المدينة الأكثر اكتظاظاً في إسرائيل، ومن بين الأكثر اكتظاظاً في العالم، ولذلك التصويب نحوها يزيد عدد الإصابات المحتملة".
ورغم زعم الصحيفة العبرية بأنّ لدى الإيرانيين نيّات لاستهداف المدن القريبة من تل أبيب، إلّا أنها ناقشت كذلك فرضية ما إذا كان جزء من الإصابات يمكن أن يكون ناتجاً عن" أخطاء" في التصويب الإيراني.
ويشرح العقيد احتياط غاي عموسي، وهو نائب قائد سابق في الدفاعات الجوية الإسرائيلية، أن" هذه الصواريخ تُطلق من مسافة 1500 - 1600 كيلومتر، ولديها نسبة خطأ تتراوح بين بضع مئات إلى بضعة آلاف من الأمتار"، وبحسبه: " لذلك، إذا كان الإيرانيون يطلقون نحو منطقة تهمهم في الوسط، فمن المرجح جداً أن تتناثر شظايا الاعتراض في مناطق المدن المجاورة، بيتح تكفا وبني براك ورمات غان.
ويجب الانتباه أيضاً إلى أن معظم الإصابات ليست من الصواريخ نفسها، بل من شظايا الاعتراض، التي تنتشر في دائرة واسعة جداً"، ويضيف عموسي قائلاً: " قبل عامين أو ثلاثة أجريت صفقة مع جهة دولية، وسألوني إن كنت لا أخشى من كون مكاتبنا في تل أبيب قريبة من قواعد عسكرية.
قلت إنّني لست قلقاً، وإن لدينا دفاعاً جوياً ممتازاً.
في النهاية يجب أن نتذكر أن أكثر من 90% من الصواريخ يجري اعتراضها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك