قبل فوات الأوان: كلمة في زمن التيه السودانيفي لحظاتٍ فارقة من تاريخ الشعوب، لا يكون الخطر الأكبر في فقر الموارد ولا في شحّ الإمكانات، بل في انقسام الرؤية حتى تتلاشى.
وحين يبلغ الاستقطاب حدّ المعادلة الصفرية—حيث لا يرى كل طرفٍ في الآخر إلا نقيضًا يجب إلغاؤه—فإننا لا نكون أمام خلافٍ سياسي، بل أمام طورٍ من “العدمية الوطنية” التي تُهدد فكرة الوطن نفسها.
هذا هو المشهد في السودان اليوم: حربٌ مستمرة، وخطابٌ متقابل لا يلتقي، ومساحاتٌ مشتركة تتآكل يومًا بعد يوم.
إنها لحظة “تيه” مكتملة الأركان، لا لأن الطريق غير موجود، بل لأن البوصلة معطّلة.
إن هذه الكلمة لا تسعى إلى إضافة وصفٍ جديدٍ للمشهد، بقدر ما تحاول تتبّع مساراته:أولًا: حين يتحول الخلاف إلى نفيٍ متبادلالاختلاف سنة من سنن الاجتماع، بل هو شرطٌ للحيوية.
لكن حين يتحول إلى استقطابٍ حاد، يفقد وظيفته ويصبح أداة هدم.
في حالتنا الراهنة، لم يعد السؤال: كيف نُنقذ البلاد؟ بل أصبح: من ينتصر ومن يُقصى؟من تنافسٍ على البرامج إلى صراعٍ على الوجود،ومن اختلافٍ في الوسائل إلى قطيعةٍ في المقاصد،ومن جدلٍ سياسي إلى تخندقٍ نفسي وأخلاقي.
وحين تُختزل البلاد في معسكرين، يصبح الوطن نفسه هو الخاسر الأكبر.
ثانيًا: الاحتراب بوصفه ذروة التيهالحرب ليست مجرد نتيجة للأزمة، بل هي مُضاعِفٌ لها.
فهي تُعيد تشكيل الوعي، وتُغذّي مشاعر الخوف والكراهية، وتُضيّق أفق التفكير حتى يبدو العنف وكأنه الخيار الوحيد.
وقد نبّه مؤسس علم الاجتماع المفكر/ عبد الرحمن بن خلدون إلى أن انهيار التماسك العام هو مقدمة لخراب العمران، به تتفرّق الجماعة، ويسهل على الصراع أن يستحكم.
وفي السودان، يتجلى ذلك في تقديم الهويات الجزئية، والانحيازات الحادة، على حساب الفكرة الجامعة التي تحفظ بقاء الدولة.
ثالثًا: الاستقطاب العدمي… حين تضيع الفكرةالأخطر من الحرب ذاتها هو الخطاب الذي يبررها بلا أفق.
خطابٌ يرى في استمرار القتال خلاصًا، أو في إيقافه خيانة، دون أن يقدم تصورًا متماسكًا لمآلات الأمور.
هذه الحالة من “الاستقطاب العدمي” تُفضي إلى نتيجتين خطيرتين:إغلاق باب التسوية، لأن أي تنازل يُرى هزيمة مطلقة،واستنزاف المجتمع، لأن الصراع يصبح غاية في ذاته لا وسيلة لغاية.
وقد أثبتت تجارب عديدة أن المجتمعات التي تنزلق إلى هذا النمط من التفكير تطيل أمد أزماتها، وتُراكم خسائرها، حتى تصل إلى نقطة يصعب معها التدارك.
رابعًا: دروس قريبة… لا بعيدةليست هذه اللحظة استثناءً في التاريخ.
فقد مرت دولٌ مثل الصومال ولبنان بأطوارٍ مشابهة، حيث امتد الصراع سنوات طويلة، لا لأن الحلول كانت مستحيلة، بل لأن الإرادة السياسية والاجتماعية كانت منقسمة على ذاتها.
وفي المقابل، تُظهر تجارب أخرى أن الخروج من هذا النفق يبدأ حين يُدرك الجميع—ولو متأخرين—أن لا غالب في حربٍ داخلية، وأن بقاء الدولة مقدمٌ على انتصار أي طرف.
خامسًا: ماذا يعني “قبل فوات الأوان” هنا؟يعني أن السودان يقترب من عتبةٍ يصبح بعدها الإصلاح أكثر كلفة، وربما أقل جدوى.
يعني أن كل يومٍ إضافي في هذا المسار لا يُبقي الأمور على حالها، بل يُعمّق الانقسام ويُضعف فرص التعافي.
وقبل فوات الأوان، هناك حقائق لا بد من استحضارها بوضوح:لا يمكن بناء دولة على منطق الغلبة الدائمة،ولا يمكن حفظ مجتمعٍ عبر إلغاء بعضه بعضًا،ولا يمكن لأي مشروع—مهما بدا قويًا—أن يصمد في بيئة ممزقة.
الخروج من هذا التيه لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادةٍ واعية تُعيد ترتيب الأولويات:تقديم وقف الاحتراب كضرورة وطنية لا كخيار سياسي، لأنه شرط لأي حديثٍ لاحق عن إصلاح أو انتقال.
ليكون حول الوسائل لا حول وجود الآخر.
بوصفها إطارًا جامعًا، لا غنيمةً يتنازعها المتصارعون.
فتح مساحاتٍ مشتركة للحوار؛تُبنى على الحد الأدنى من التوافق، لا على أقصى شروط الغلبة.
لتخرج من دائرة الاصطفاف الحاد إلى مساحة المسؤولية التاريخية.
ليس المقصود بهذه الكلمات ترجيح كفة مشروع على أخر، بل محاولة لتذكير الجميع بأن استمرار هذا المسار لن يُنتج منتصرين، بل مزيدًا من الخسارات المشتركة.
السودان اليوم أمام مفترقٍ حقيقي:إما أن يواصل السير في طريقٍ يضيق يومًا بعد يوم،أو أن يتوقف—ولو للحظة—ليعيد النظر، ويستدرك ما يمكن استدراكه.
الدعوة إلى إيقاف الاحتراب ليست دعوةً للانسحاب، ولا تراجعًا عن المواقف، ولا إقرارًا بهزيمة طرفٍ لصالح آخر.
إنها، في جوهرها، دعوةٌ للتمييز بين الغاية والوسيلة:فالقضايا العادلة لا تسقط إذا تغيّرت وسائل السعي إليها،لكن الأوطان قد تسقط إذا أُصِرّ على وسيلةٍ تُدمّرها.
إن التمسك بالمواقف لا يعني الارتهان للحرب،كما أن البحث عن تسوية لا يعني التفريط في الحقوق.
و دعوتنا بلا شك، ليست خطابًا مثاليًا، بل قراءة لواقعٍ لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.
إنها كلمة… لعلها تُسمع قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك