بينما خفف إعلان الولايات المتحدة وإيران هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، من علاوة المخاطر على أسواق الطاقة والشحن، تراهن إيران على جني مليارات الدولارات من رسوم عبور الناقلات، حيث أفاد رئيس قسم المعلومات السياسية في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، حسن عابديني، بأن طهران قد تحقق 64 مليار دولار سنوياً من فرض هذه الرسوم على نحو 32 ألف سفينة تمر من المضيق سنوياً، ما يؤشر إلى أن" سيناريو عودة الملاحة في المضيق" لن يكون كسابق عهده بالضرورة.
هذا الرهان يثير تساؤلات حول مستقبل حرية المرور التاريخية في المضيق الذي يعد شريان الطاقة العالمي، وسط حالة تأهب مستمرة لدى الشركات الملاحية، بحسب تقرير نشرته وكالة" بلومبيرغ"، أمس الأربعاء، لافتاً إلى أن إعلان الهدنة لم ينعكس بعد في تغيير جذري بتدفق السفن من الخليج إلى الأسواق الدولية، إذ يتوقع مالكو السفن فقط" نافذة محدودة" لإخراج نحو 800 إلى 1000 سفينة عالقة، مع استمرار تردد الخطوط الكبرى في الالتزام الكامل.
يأتي ذلك فيما أكدت المنظمة البحرية الدولية عملها على آلية تكفل" عبوراً آمناً" في مضيق هرمز، وقال أمينها العام، أرسينيو دومينغيز، إنها بدأت العمل مع الأطراف المعنيين لوضع آلية مناسبة بهدف ضمان أمن عبور السفن، مضيفاً أن" الأولوية الآن هي ضمان عملية إجلاء تضمن سلامة الملاحة" بعد إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب ما أوردت" فرانس برس" في 8 إبريل الجاري.
ويعزز هذا التدخل الدولي الجهود لتسريع استئناف الملاحة البحرية، لكنه يبرز الحاجة إلى تنسيق معقد يوازن بين الرهانات الإيرانية والمصالح الخليجية، بحسب تقرير الوكالة الفرنسية.
وإزاء ذلك، يشير الوضع الراهن إلى هشاشة الهدنة، إذ أدى الإغلاق السابق لمضيق هرمز إلى تباطؤ تصدير النفط الخليجي بنسبة 20%، مع ارتفاع تكاليف التأمين والبحث عن بدائل روسية وأميركية، ما يقلل من إمكانية جني إيران لإيراداتها المتوقعة إلا إذا ضمنت مروراً منتظماً، بحسب ما أورد تقرير نشرته مجلة فورتشن Fortune، المتخصصة في التحليلات الاقتصادية والأعمال، في 8 إبريل الجاري.
فالسفن تجنبت المنطقة خوفاً على طواقمها، والهدنة المؤقتة تبقي الشك قائماً إذا فشلت المفاوضات الأوسع، محافظة على تقلبات الأسعار، بحسب التقرير ذاته.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد أكد في وقت سابق أنه بصدد استكمال التحضيرات لفرض" نظام جديد" للملاحة عبر مضيق هرمز الذي بات مغلقاً بالكامل تقريباً منذ بدء الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران في 28 فبراير/شباط.
في هذا الإطار، يصف الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، الهدنة المعلنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بأنها" نقطة تحول استراتيجية في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي"، بحسب ما أفاد لـ" العربي الجديد"، حيث تساهم مباشرة في خفض" علاوة المخاطر" التي أثقلت كاهل أسواق الطاقة منذ اندلاع الحرب، معتبراً أن هذا التطور يعيد صياغة أولويات دول مجلس التعاون الخليجي، التي تجد نفسها أمام فرصة ذهبية لاستعادة التوازن في سلاسل التوريد، مع التركيز على استثمار حالة الهدوء النسبي لتعزيز مكانتها مزوداً موثوقاً للطاقة على المستوى العالمي.
وفي ظل ترقب الأسواق عودةً تدريجية للنفط الإيراني، تبرز الحاجة الملحة إلى تنسيق دقيق ضمن إطار تحالف" أوبك+" للحفاظ على استقرار الأسعار ومنع حدوث تخمة مفاجئة في المعروض قد تؤدي إلى انهيار سعري غير مرغوب فيه للمنتجين، بحسب الخوري، لافتاً إلى أن دول الخليج تمتلك جاهزية تقنية عالية وقدرة إنتاجية فائضة تتجاوز مليوني برميل يومياً فوق حصصها الحالية، بفضل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية النفطية والغازية خلال السنوات الأخيرة، ما يمكنها من ضخ هذه الكميات في الأسواق خلال فترات زمنية قصيرة إذا ما دعت الحاجة، رغم التحديات اللوجستية المتعلقة بجدولة ناقلات النفط العملاقة وتأمين عقود طويلة الأجل في ظل المنافسة المحمومة على الحصص السوقية.
لكن الخوري يشير إلى أن هذه المكاسب الاقتصادية تترافق مع تحديات سياسية تتعلق بكيفية موازنة العلاقات مع القوى الدولية الكبرى وضمان استدامة الهدنة بوصفها ضمانة لتدفق الاستثمارات الأجنبية نحو قطاعات الطاقة المتجددة والغاز المسال والنفط التقليدي، مشيراً إلى أن مؤشرات حركة السفن في الخليج العربي بدأت تظهر نمطاً تصاعدياً ملموساً منذ إعلان الهدنة، حيث رصدت تقارير دولية زيادة في عدد الناقلات المتجهة نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بنسب تراوح بين 10% و15%، وهو ما يعكس حالة من الاطمئنان لدى شركات التأمين والمستثمرين وأدى بالفعل إلى بدء انخفاض تكاليف الشحن والتأمين بشكل تدريجي.
ومن شأن استقرار حركة المرور البحرية، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، أن يبعث برسائل قوية إلى أسواق الطاقة، بحسب ما يرى الخوري، مفادها أن إمدادات الخليج باتت أكثر أماناً، ما يساهم في كبح جماح التقلبات السعرية الحادة.
وعلى المدى المتوسط، ستستفيد دول الخليج من زيادة حجم الصادرات النفطية وغير النفطية ما يعزز موازناتها العامة ويدعم خطط التحول الاقتصادي، بينما يستفيد الاقتصاد العالمي من تراجع الضغوط التضخمية الناتجة عن مخاطر الطاقة والنقل، بحسب الخوري، الذي يتوقع أن تستقر أسعار النفط في نطاق يراوح بين 70 و85 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يصفه بأنها" عادل" للمنتجين والمستهلكين في الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن تعزيز الأمن البحري سيقلص الحاجة إلى الوجود العسكري المكثف وربما يدفع باتجاه تعاون إقليمي أوسع في مجالات الربط الكهربائي وتجارة الغاز.
ويخلص الخوري إلى أن نجاح هذه الهدنة وتحولها إلى اتفاق مستدام من شأنه أن يغير خريطة الطاقة العالمية ويعيد توجيه الأنظار نحو منطقة الخليج ليس فقط بوصقه مصدراً للوقود التقليدي، بل مركز ثقل ومحركاً رئيسياً لاستقرار الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد التسوية.
إذعان براغماتي ونظام جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك