تمثل الحداثة في سياقها الكلاسيكي مشروعًا فكريًا نهضويًا، انبثق مع عصر التنوير في الغرب، قوامه العقلانية والعلمانية والحرية الفردية، حيث قامت على نقد هيمنة الكنيسة والإقطاعلكن هذه المفاهيم، التي تشكلت في بيئتها الغربية الخاصة، واجهت تعقيدات وتجاذبات كبيرة لدى انتقالها إلى المجتمعات العربية والإسلامية، وتأخذ التجربة السودانية نصيبًا وافرًا من هذه الإشكالياتففي السودان، واجه مشروع الحداثة تحديات بنيوية، لم تكن مجرد انعكاس لصراع بين الأصالة والمعاصرة، بل كانت تعبيرًا عن أزمة هوية عميقة، تجلت في علاقة المثقف السوداني بمرجعياته المعرفية والدينيةتتجسد هذه الإشكالية بشكل خاص في ثنائية “القاع الصوفي” باعتباره بنية تحتية ثقافية واجتماعية هيمنت على تشكيل العقل الجمعي السوداني، من جهة، و”هيمنة العقلية الدينية” التي طغت على الفضاءات العامة والخاصة، من جهة أخرى , و تسعى هذه الورقة إلى استكشاف كيفية تشكل مفهوم الحداثة لدى المثقفين السودانيين في ظل هذين العاملين المؤثرين، وصولًا إلى تفكيك المعضلات التي تعترض مسار التنوير والتحديث في المجتمع السوداني المعاصرأولًا- القاع الصوفي: التشكيل المعرفي للمجتمع السودانيلم يكن التصوف في السودان مجرد ممارسة روحية فردية، بل كان ولا يزال بمثابة البنية التحتية التي تشكل الوعي الجمعي، أو ما يمكن تسميته بـ”القاع” الذي تستند إليه الأفكار والقيمفقد عملت الزوايا والخلاوي الصوفية كمراكز تعليمية وروحية محورية، حيث لم يقتصر دورها على تحفيظ القرآن وتعليم الفقه، بل امتد إلى إدارة النزاعات عبر “المحاكم الصوفية” وتقديم الدعم للفقراءهذا التداخل بين الديني والاجتماعي والاقتصادي جعل من التصوف إطارًا جامعًا للهوية الوطنية والدينية، خاصة في مواجهة التحديات الاستعماريةومع ذلك، فإن هذه البنية المعرفية المتجذرة، والتي يصفها بعض المفكرين السودانيين بـ”العقل الرعوي”، شكلت عائقًا أمام التحول نحو الحداثة العقل الرعوي ليس مجرد نمط اقتصادي، بل هو بنية معرفية وقيمية متجذرة تهيمن على التفكير والسلوك الجماعي، وتُعاد إنتاجها عبر أدوات السياسة والدين والتعليمهذا العقل، الذي يعادي قيم القانون والنظام، ويتجه نحو الماضي “المقدس”، يخلق حالة من الانقسام البنيوي في الوعي، حيث يصبح المثقف السوداني حاملًا لصخرة سيزيف، ينادي بشعارات فقدت شرعيتهاثانيًا- المثقف السوداني بين التقليد والحداثة- أزمة الهوية والانتماءتعيش النخب السودانية، منذ الاستقلال وحتى اللحظة، حالة من التردد والاضطراب الوجودي، حيث ظل المثقف السوداني يتأرجح بين موقع “الضمير الوطني” و”المتواطئ مع السلطة”هذه الأزمة ليست فردية أو أخلاقية فقط، بل هي أزمة بنيوية تمس علاقة المثقف بالسلطة وبالجماهير وبالمنظومة القيمية التي يُفترض أن يدافع عنهافي هذا السياق، تجلت هيمنة العقلية الدينية بشكل جلي في انقسام النخب المتعلمة منذ بداية النضال ضد الاستعمارفقد ارتبط جزء كبير من هذه النخب بالطوائف الصوفية الكبرى (كالأنصار والختمية) كحاضنات جماهيرية، بينما بقي الحداثيون الحضريون (من الإنتلجنسيا والجيش والتجار) جيوبًا صغيرة في خضم قوى تقليدية لا يُرجى لها أن تصل إلى السلطةهذه المفارقة اللافتة أوصلت السودان إلى مأزق تاريخي، حيث أن العسكريين الذين يأتي بهم الحداثيون إلى الحكم سرعان ما ينقلبون عليهم، ثم يضطرون للعودة إلى الحواضن التقليدية (القبيلة والطريقة الصوفية) بحثًا عن السند الجماهيريهذا الوضع أدى إلى ما يمكن تسميته بـ”حداثة مزيّفة”، حيث تتسرب الرعوية كفعل ثقافي وأخلاقي داخل مظاهر الحداثة، مما يجعل التحول الجدلي الخلاق لمؤسسة القبيلة ومؤسسة الطائفة الصوفية مستحيلًا دون تجاوز جدلي خلاق في الذوات والمؤسساتثالثًا- محاولات التأويل الصوفي للحداثة: تجربة الجمهوريين كنموذجوسط هذه الهيمنة، برزت محاولات فكرية جريئة سعت إلى التوفيق بين الرصيد الديني الصوفي وقيم الحداثة، وأبرزها تجربة محمود محمد طه وحركة الجمهورييناستندت دعوة الجمهوريين إلى الرصيد الديني، وجعلت من الإسلام وتراثه هدفًا ومنهجًا لتصحيح الأوضاع، مع اهتمامها بالظروف والفكر المعاصرتمثلت الفكرة الجمهورية في الدعوة إلى “الرسالة الثانية من الإسلام”، التي اتخذت من جماع المعرفة البشرية طريقًا جديدًا للنظر في أسئلة تواجه المسلمين، لا سيما تلك التي نتجت عن الحداثة الغربيةهذه الرؤية قدمت نظرة جديدة إلى الإسلام ونصوصه، واهتمت بقضايا معاصرة مثل حقوق المرأة والحرية الفردية وحقوق الإنسان، ولكن بنظرة خاصة وجديدة إلى الإسلامومع ذلك، فإن هذا التأويل الصوفي للحداثة لم يسلم من الجدل والنقد.
فالكتاب الذي تناول هذه التجربة (التأويل الصوفي للحداثة في الإسلام) يحمل في طياته عرضًا ونقدًا لفكر الجمهوريين، مما يشير إلى أن العلاقة بين الصوفية والحداثة في السودان تظل علاقة إشكالية، تتسم بالتوتر بين الرغبة في التجديد والتمسك بالثوابتإن مفهوم الحداثة لدى المثقفين السودانيين يظل مفهومًا مراوغًا ومأزومًا، يتشكل في خضم صراع مرير بين قوى التقليد (المتمثلة في القاع الصوفي والعقلية الدينية) وقوى التحديث (المتمثلة في نخب حضرية محدودة)وقد أظهر التحليل أن هيمنة العقلية الدينية، بوصفها أيديولوجيا وسياسة، لم تقتصر على الخطاب الديني التقليدي، بل امتدت لتشكل وعي النخب ذاتها، مما جعل مشروع الحداثة في السودان يظل في طور التشكيل الجنيني، يحارب من أجل تحقيق مربع الخلاص (العقلانية، التاريخية، الحرية، والعلمانية) على واقع يتحرك باستمرار تجاه الماضي “المقدس”إن تحرير العقل من الأغلال والقيود الدوغمائية التي تحد من قدرته على الفعل والحركة، وتجاوز أوهام النخبة والحرية والهوية والمطابقة والحداثة، يظل التحدي الأكبر أمام المثقف السودانيفهل يظل المثقف السوداني رهينًا لهذا القاع الصوفي وهذه الهيمنة الدينية، أم سيتمكن من تحقيق القطيعة المعرفية المطلوبة للانخراط الحقيقي في مشروع الحداثة؟ الإجابة عن هذا السؤال تبقى معلقة على قدرة النخب السودانية على إعادة تعريف علاقتها بالدين والسلطة والجماهير، والخروج من دائرة التردد والاضطراب الوجودي التي تعيشها منذ الاستقلال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك