وتوقّع الخبير السعودي، في مقابلة مع بي بي سي عربي، أن تسهم الاتفاقية الدفاعية الاستراتيجية مع باكستان في رفع كلفة أيّ هجوم محتمل من قبل إيران أو حلفائها، أو من أيّ جهة أخرى، بشكل يدفع هذه الأطراف إلى إعادة حساباتها قبل استهداف السعودية أو دول الخليج.
إبرام الاتفاق الدفاعي بين البلدين جاء قبل أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وبالتالي وصول هذه القوّات الباكستانية يُعتبر بمثابة الاختبار الأوّل لمدى جدّية تفعيل هذه الاتفاقية، حتى وإن لم يكن هدفها" مهاجمة" أحد، كما صرّح المسؤول الباكستاني لرويترز.
وكانت الرياض قد طلبت مساندة الجيش الباكستاني في حربها في اليمن عام 2015 إلّا أنّ البرلمان الباكستاني حينها رفض تمرير هذا الطلب.
وبحسب الشهري، فإن الواقع اليوم مختلف وهناك اتفاق دفاعي يجمع السعودية وباكستان.
أمّا الصحافي الأمريكي المختصّ في الشؤون الدفاعية والعسكرية سيباستيان روبلن فيقول في مقابلة مع بي بي سي عربي: " يجدر التذكير بأنّ الحرب في اليمن شهدت تدخّلاً بريّاً سعودياً ذا طابع هجومي داخل الأراضي اليمنية، بينما يقتصر الموقف السعودي في هذه الحرب حتى الآن على الطابع الدفاعي".
بحسب الباحث المصري د.
مصطفى شلش، مدير وحدة دراسات جنوب آسيا في مركز الدراسات العربية الأوراسية، يُعتبر الانتشار الباكستاني في السعودية أقرب إلى تجسيد رمزي لتفعيل الالتزام الدفاعي الباكستاني تجاه السعودية، ورسالة تؤكّد على ما وصفه بـ" وفاء" إسلام آباد لحلفائها، لا سيما في ظلّ تساؤلات تردّدت أخيراً داخل السعودية حول دور باكستان بعد أكثر من شهر على الحرب.
وعليه، فإنّ وجود هذه القوّات يميل، وفق رؤيته، في هذه المرحلة تحديداً، إلى" الطابع الرمزي أكثر من كونه انخراطاً فعلياً وواسعاً في العمليات القتالية".
واعتبر د.
شلش في مقابلة مع بي بي سي عربي أنّ باكستان قوّة عسكرية ونوويّة كبرى لكّنها ضعيفة اقتصادياً وتعتمد في اقتصاداتها على البلدان الخليجية لا سيما في مسألة العمالة، رابطاً وصول القوّات الباكستانية إلى السعودية بتقارير عن إقرار حزمة مساعدات مالية سعودية وقطرية لباكستان بلغت 5 مليارات دولار أمريكي، والتي تداولتها تقارير صحفية أخيراً من دون تأكيد رسمي.
في المقابل اعتبر الصحافي الأمريكي سيباستيان روبلن أن السعودية عملت على تنمية شراكات أخرى للتحوّط ضدّ ما وصفه بـ" عدم الاستقرار" في علاقتها مع الولايات المتّحدة، معتبراً أن الهدف من جرّاء ذلك هو إثارة نوع مما سمّاه" غيرة التحالف" لدفع واشنطن إلى الحفاظ على شراكتها معها خشية أن تحلّ دول أخرى محلّها - لذا يرى روبلن في مقابلة مع بي بي سي عربي أنّ حضور باكستان العسكري يدعم الرياض من خلال إظهار الأخيرة قدرتها على استقطاب حلفاء آخرين إلى جانبها، وتوفير عنصر احتياطي إلى جانب التحالف مع الولايات المتّحدة.
إلّا أنّ الوجود الباكستاني، ووفق قراءة روبلن، قد يخلق حساسيات سياسية لدى طهران.
موضحاً لبي بي سي: " على سبيل المثال، إذا أدّى هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية إلى مقتل جندي باكستاني (كما حدث حين قُتل جندي فرنسي الشهر الماضي في أربيل في العراق)، فإن ذلك سيخلق مخاطر تصعيد التوتر بين إيران وباكستان، التي بخلاف فرنسا، تشترك بحدود مع إيران".
تحدّيات الدمج بين الأنظمة العسكريةتعتمد المملكة العربية السعودية في برنامجها الدفاعي على أنظمة مختلفة ومن بلدان مختلفة إلّا أنّ نظامي ثاد THAAD وباتريوت PATRIOT الأمريكيين يُعتبران المصدر الرئيسي لها.
تقارير دفاعية مختلفة تفيد بأنّ السعودية تلجأ أيضاً إلى أنظمة أخرى مصدرها كوريا الجنوبية وروسيا والصين وتركيا وأوكرانيا - إنّما بشكل يتناسب مع حجم التهديدات ونوعية المسيّرات.
أمّا باكستان، فتعتمد بنحو 80 في المئة من قدراتها العسكرية على التسليح الصيني، ولا سيما في مجالات الطائرات والدبّابات والصواريخ، فيما تتوزّع النسبة المتبقية، أي نحو 20 في المئة، بين الولايات المتّحدة وفرنسا، وتشمل معدّات مثل طائرات F-15، وناقلات الجند المدرّعة M113 الأمريكية، ومقاتلات" ميراج" الفرنسية.
من هنا يرى الخبير الأمني والاستراتيجي حسن الشهري أنّ استخدام باكستان لتقنيات في غالبيتها صينية قد يتضارب مع التقنيات الأمريكية الموجودة في السعودية، لكنّه في الوقت نفسه يعتبر أنّه أمر يمكن تحويله إلى ميزة عبر خلق طبقات دفاعية متعدّدة وعالية التنسيق.
في السياق عينه، لا يتوقّع د.
مصطفى شلش، مدير وحدة دراسات جنوب آسيا في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن يمثّل ذلك عائقاً، إذ إن لباكستان معرفة مسبقة بالتقنيات الأمريكية كونها لا تعتمد فقط على الأسلحة الصينية، وبالتالي لديها اطّلاع وخبرة في التعامل مع أنظمة مختلفة.
غير أن للصحافي الأمريكي سيباستيان روبلن رأياً مغايراً انطلاقاً من أن السعودية تستخدم بالفعل بعض الأسلحة الصينية، بما في ذلك طائرات" وينغ لونغ Wing Loong" المسيّرة وصواريخ باليستية، لافتاً إلى أنّ باكستان معتادة على تشغيل أسلحتها الصينية إلى جانب الأمريكية.
ومع ذلك، يتوقّع روبلن أن تواجه مقاتلات" JF-17" الباكستانية صعوبة أكبر في التواصل مع منظومة الدفاع الجوي السعودية، بما في ذلك المقاتلات المختلفة المصنّعة في الغرب وبطاريات الدفاع الجوي" باتريوت".
ويضيف الصحافي الأمريكي أنّ مخاطر النيران الصديقة والحاجة إلى التنسيق تبقى أموراً حقيقية حتّى عند العمل ضمن منظومة أسلحة أمريكية بحتة، لذلك، سيحتاج السعوديون برأيه إلى توخّي الحذر في تنسيق أنظمتهم التسليحية مع الطائرات الحربية الباكستانية وطائرات الرادار.
حدود الحياد الدبلوماسي الباكستانيفي المقابل، يتساءل البعض عن كيفية موازنة إسلام آباد بين انخراطها العسكري في السعودية وبين التزاماتها ودورها كوسيط مقبول ويُفترض أن يكون محايداً في محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتّحدة وإيران.
ويطرح هذا الواقع تساؤلاً حول مدى قدرتها على الحفاظ على الحياد، في ظلّ نشرها قوات عسكرية" يُفترض" أن مهمّتها دعم السعودية في مواجهة إيران.
عن هذا الموضوع يقول د.
شلش إن إسلام آباد ليست دولة" عريقة" في مسائل الوساطة على حدّ تعبيره، إلّا أنّ استهداف الوسيطين الأساسيين في المنطقة، قطر وسلطنة عمان من قبل إيران، في هذه الحرب، جعل من غير المنطقي استمرارهما في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.
ويضيف شلش أن نقاطاً عدّة لعبت لصالح إسلام آباد في مسألة الوساطة: أوّلاً، هي وطهران تتشاركان في مسألة التخوّف من خطورة تمدّد إسرائيل في المنطقة.
ثانياً، ليس لإسلام آباد أي علاقات مع إسرائيل، وبالتالي فإن هذا مكّنها برأيه من منع أي محاولات تجسّس على الوفد الإيراني الذي زار أراضيها بهدف التفاوض مع الوفد الأمريكي وتمكّنت من حمايته خلال وجوده على أراضيها.
ثالثاً، لدى البلدين علاقات وثيقة مع الصين وهو ما يعني برأيه تعدّد الضمانات الدولية لإيران - أي أنّ بكين يمكن أن تتدخّل كقناة خلفية في هذا السياق.
رابعاً، يرى شلش أنّ في باكستان نسبة كبيرة من" الشيعة" الذين يدينون بالولاء لما يسمّى بالولي الفقيه، وبالتالي يعتقد أن باكستان بغنى عن أيّ توتّرات طائفية قد تؤثّر على أمنها واستقرارها الداخليين.
من هنا يصف شلش الدور الباكستاني بالـ" الحياد النشط" دبلوماسياً، لا سيما أنّه حتّى هذه اللحظة لم تقرّر الرياض مهاجمة إيران أو الردّ عليها، ما يعني في نهاية المطاف أنّ دور القوّات الباكستانية في السعودية دفاعي وليس هجومياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك