عمان - لم تكن سارة تتوقع أن يكون هاتفها هدفا لأحد، فهي لا تملك أسرارا، ولا معلومات حساسة، ولا أرصدة ضخمة.
" هاتف عادي، صور عائلية، محادثات يومية مع صديقات، وأرقام لأهل وزملاء"، كما وصفته.
حين اكتشفت أن حساباتها قد اخترقت، كان أول ما قالته: " شو عندي أصلا؟ ".
لكن الإجابة جاءت سريعا وموجعة، فكل ما في هاتفها أصبح في متناول شخص آخر، ومنعها من الوصول إليه، وحول جهازها إلى قطعة من المعدن لا تصلح لشيء.
اضافة اعلانفجملة" ما عندي شي يستاهل"، باتت من أكثر العبارات تداولا حين يتحدث الناس عن أمان هواتفهم، وهي في الوقت نفسه من أكثر المفاهيم خطورة في عصر أصبح فيه الهاتف امتدادا حقيقيا للإنسان، يحمل هويته وعلاقاته وذاكرته وماله.
والاستخفاف بكلمة المرور، أو تكرار استخدامها على مختلف التطبيقات، أو الاكتفاء بأرقام متسلسلة يسهل تخمينها، لم يعد مجرد إهمال تقني بسيط، بل أصبح ثغرة مفتوحة يدخل منها من يريد.
والأخطر أن هذه الثغرة لا تستغل فقط للوصول إلى ما تملكه، بل لاستغلال كل من تعرفه.
تقول اختصاصية الاتصال والإعلام الرقمي والمدربة في الدراية الإعلامية والمعلوماتية الدكتورة بيان القضاة: " إن المشكلة الحقيقية ليست في جهل الناس بالمخاطر التقنية، بل في اعتقادهم الراسخ بأنهم ليسوا هدفا يستحق الاختراق".
وتؤكد أن الهاكر أو المخترق لا يبحث دائما عن شخص مهم أو ثري، بل يبحث عن ثغرة، وحين يجدها يستغلها بغض النظر عمن يقف وراءها.
أدوات يمكن توظيفها للابتزازوتضيف أن كثيرا من حالات الاختراق التي وثقتها لم تستهدف البيانات المالية مباشرة، بل استهدفت جهات الاتصال والصور والمحادثات الخاصة، وهي أدوات يمكن توظيفها للابتزاز أو الاحتيال أو إلحاق الأذى بأشخاص آخرين غير الضحية الأصلية.
وتلفت إلى أن الخطر الذي يغفله كثيرون هو أن الاختراق لا يطال صاحب الهاتف وحده.
وحالة محمد، وهو موظف في القطاع الخاص، دليل على هذه الخطورة، إذ كان يعتقد أن هاتفه لا يحتوي على شيء مهم، ولم يكن يتخيل ما سيحدث بعد ذلك.
لكن حين وصلت رسائل إلى أهله وأصدقائه من رقمه الشخصي تطلب تحويل مبالغ مالية عاجلة بحجة ظروف طارئة، وقع بعضهم في الفخ وحول الأموال قبل أن يكتشف الحقيقة، ما وضعه في موقف محرج لم يعرف كيف يتعامل معه.
الاستخفاف بفكرة الحماية والخصوصيةولم تكن قصة رنا أقل إيلاما، فصور عائلية عادية، ولقطات من رحلات ومناسبات، لا يوجد شيء" خاص" بالمعنى الذي يتخيله الناس.
لكن حين اخترق هاتفها، وجدت هذه الصور تستخدم كوسيلة للضغط والابتزاز.
وتقول: " ما كانت صورا خاصة، لكن عندما يراها شخص غريب لديه نوايا سيئة، ويستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للتلاعب بها وتغيير تفاصيلها بهدف ابتزازي، شعرت وقتها بالعجز والخوف، وبالذنب لأنني كنت أستخف دائما بفكرة الحماية والخصوصية".
وتؤكد أن ما أفقدها أعصابها أكثر هو استغلال صور لأشخاص آخرين لديها، كأخواتها وصديقاتها وأقاربها، لم يكن لهم أي علاقة بالاختراق، لكنهم دفعوا ثمنه.
فهم لم يهملوا حماية بياناتهم، لكن إهمال رنا جعلهم ضحايا.
اختراق حسابات لاستخراج المعلوماتأما واتساب، فقد بات الهدف الأول في كثير من عمليات الاختراق، فهو يحمل سجلا كاملا للحياة اليومية، من مجموعات العائلة ومحادثات العمل، إلى الأسرار الصغيرة والكبيرة، والمواعيد، والصور والمقاطع الصوتية.
وحين يخترق حساب واتساب، يحصل المخترق على مفتاح كامل لشبكة العلاقات الخاصة بصاحبه، ويستطيع انتحال شخصيته بمصداقية كبيرة أمام كل من يعرفه.
وقد رصدت الدكتورة القضاة حالات عديدة جرى فيها اختراق حسابات واتساب لاستخراج معلومات حساسة من محادثات خاصة، ثم استخدامها للضغط على أطراف أخرى لا علاقة لها بالاختراق الأصلي.
في حين يؤكد خبير الاتصالات والتكنولوجيا وصفي الصفدي أن المستخدم العادي لا يدرك حجم المعلومات التي يحملها هاتفه عن حياته وحياة من حوله.
ويقول: " إن هاتفك يعرف أين تسكن، وأين تعمل، ومن تحب وماذا تشتري وكيف تفكر.
وهذه المعلومات مجتمعة تساوي أكثر بكثير مما تتخيل، ليس فقط للمحتالين، بل لكل من يريد استغلالك أو الضغط عليك".
ويشير الصفدي إلى أن ضعف كلمة المرور يعد من أكثر أسباب الاختراق شيوعا، ومن أسهلها تفاديا، موضحا أن استخدام كلمة مرور مختلفة لكل تطبيق، وتفعيل خاصية التحقق بخطوتين، يغلقان الباب أمام غالبية محاولات الاختراق الشائعة.
ويضيف أن كثيرا من التطبيقات باتت توفر خاصية مراجعة الأجهزة المتصلة بالحساب، وهي خطوة بسيطة تكشف فورا ما إذا كان هناك من يصل إلى بياناتك دون علمك.
وعن سؤال" لماذا يستمر الناس في الاستخفاف رغم كل هذه الأدلة؟ " تجيب الدكتورة القضاة بأن الأمر مرتبط بما تسميه" وهم الخمول الرقمي"، فالاعتقاد بأن الخطر يستهدف دائما شخصا آخر أكثر أهمية أو شهرة أو ثروة.
وهو نفس المنطق الذي يجعل الناس لا يضعون حزام الأمان في رحلة قصيرة، لأنهم يعتقدون أن الحوادث تحدث للآخرين.
وتلفت إلى أن هذا الوهم بات أكثر خطورة مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تجمع كميات هائلة من البيانات الشخصية، وتحتاج إلى مستوى أعلى من الحماية والوعي.
فلم يعد الهاتف مجرد أداة اتصال، بل أصبح مستودعا لهوية الإنسان الرقمية كاملة.
سارة اليوم غيرت كل كلمات مرورها، وفعلت التحقق بخطوتين على كل حساباتها.
ومحمد لن ينسى وجوه أهله حين أخبرهم أنه لم يرسل تلك الرسائل.
ورنا ما تزال تتذكر شعور أن صورها هي ومعارفها صارت في يد شخص آخر.
الجميع كانوا يعتقدون أن" ما عندهم لا يستحق"، والحقيقة التي يحاول المختصون إيصالها منذ أعوام طويلة هي أن" حماية هاتفك ليست رفاهية بل مسؤولية شخصية، لأن حماية الهاتف تعني أيضا حماية جهات الاتصال والبيانات والمعلومات الخاصة بالآخرين الموجودة داخله".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك