في لحظات التحول الحاد التي يعيشها السودان اليوم، لا يبدو الصراع مقتصرًا على السياسة والسلاح وحدهما، بل يمتد إلى ما هو أعمق صراع على تعريف “النخبة” نفسها، وعلى من يملك حق تمثيل المجتمع، ومن يحدد اتجاه الوعي العاموفي خضم هذا التشظي، تتحول النخب السودانية بمختلف مواقعها إلى أطراف في معركة غير معلنة حول المعنى، لا تقل ضراوة عن معارك الواقعلكن الإشكال الأبرز أن مفهوم “النخبة” في الخطاب السوداني ظل حبيس تعريف اجتماعي تقليدي، يربطه بالشهادات والمكانة والامتيازات، بينما الواقع يكشف أن التأثير الفعلي لم يعد مرتبطًا بهذه المحددات وحدهافكم من صاحب خطاب رنان لا أثر له، وكم من فاعل ميداني صامت يصنع تغييرًا ملموسًا بعيدًا عن الأضواءمن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا < من هي النخبة في السودان اليوم؟ وهل ما زال تعريفها القديم قادرًا على تفسير واقع شديد التعقيد، تتداخل فيه السلطة بالاجتماع، والمعرفة بالميدان، والخطاب بالفعل؟أزمة تعريف النخبة من المكانة إلى الوظيفةالإشكالية الأساسية في المقاربة السودانية للنخبة أنها ما تزال تُعرّف عبر “الصفة” لا “الوظيفة” , أي عبر التعليم والمكانة الاجتماعية والرمزية، لا عبر القدرة على التأثير الفعلي في مسار المجتمع والدولةلكن التجربة السودانية تكشف أن النخبة ليست طبقة اجتماعية مغلقة، بل وظيفة تأثير تتوزع داخل المجتمع بأشكال متعددة.
فالتأثير قد يصدر عن أكاديمي، أو ناشط، أو زعيم اجتماعي، أو حتى مبادرة محلية صغيرة، طالما أنها تُحدث أثرًا حقيقيًا في الواقعبهذا المعنى، تتفكك صورة النخبة الواحدة لصالح مشهد أكثر تعقيدًا – نخب متعددة تتقاطع وتتعارض، تعمل كل منها وفق منطقها الخاص، دون إطار جامع أو مشروع مشتركصراعات النخب السودانية تعدد بلا تنسيق , يمكن رصد أربع دوائر رئيسية للنخب في السودانوتتمثل في البنى السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تتحكم في القرار العام، وتدير الدولة بمنطق البقاء والتوازناتمن أكاديميين وصحفيين وكتّاب، ينتجون الخطاب العام ويؤثرون في تشكيل الوعي، لكن تأثيرهم غالبًا ما يبقى في حدود التنظيروتشمل الزعامات الأهلية والدينية، التي تمتلك شرعية اجتماعية عميقة، وتؤثر في مناطق واسعة خارج بنية الدولة الحديثةوهي شبكات المصالح غير المرئية التي تتحرك خلف المشهد، وتؤثر في الاقتصاد والسياسة دون حضور علني واضحالمشكلة ليست في وجود هذه النخب، بل في أنها تعمل كجزر منفصلة، بل أحيانًا في حالة تنازع مباشر، ما يجعل المشهد العام أقرب إلى تعدد بلا تنسيق، بدلًا من تعددية منتجةالمثقف السوداني بين خطاب بلا أثر وأثر بلا خطابفي قلب هذا التشظي، يقف المثقف السوداني أمام أزمة دور حقيقية.
فجزء كبير من الخطاب الفكري ظل أسير “نخبة الخطاب”، أي تلك التي تُنتج الأفكار الكبرى دون أدوات تحويلها إلى واقعوفي المقابل، يظهر في الهامش فاعلون “صامتون” يمارسون تأثيرًا عمليًا بعيدًا عن التنظيرليس كل من ينتج خطابًا مؤثرًا في الواقع، وليس كل من يؤثر في الواقع يمتلك خطابًا مرجعيًاآفات المنهج حين يعجز التحليل عن الوصول إلى الفعلمن أبرز إشكالات الخطاب النخبوي السوداني “خلط المستويات التحليلية”، حيث تُطرح قضايا الهوية والسياسة والاقتصاد في إطار واحد دون تفكيك منهجي واضح، مما ينتج نصوصًا كثيفة يصعب تحويلها إلى برامج عمليضاف إلى ذلك “مغالطة التأثير المباشر”، وهي الاعتقاد بأن تحليل الظاهرة يكفي لتغييرها، في حين أن التحول الاجتماعي والسياسي هو نتاج تراكمي طويل يتطلب أدوات تنفيذية لا مجرد توصيفات نظريةالحرب كمحك سقوط المعايير التقليديةجاءت حرب أبريل 2023 لتكشف عمق الأزمة البنيوية في مفهوم النخبة.
فقد تراجع معيار “المنصة” لصالح معيار “الاستجابة”لم يعد السؤال من يكتب أكثر؟ بل من يفعل أكثر؟في هذا السياق، برزت أشكال جديدة من الفاعلين الذين يديرون الاستجابة الإنسانية، ويوفرون الدعم الميداني، ويخلقون شبكات نجاة داخل واقع منهار.
هذه التحولات أعادت تعريف الفعل النخبوي خارج قوالبه التقليديلكن ذلك لا يعني إلغاء دور الفكر، بل إعادة توجيهه نحو الفعل، بحيث يصبح الفكر أداة اشتباك مع الواقع لا تعليقًا عليه فقطنحو “نخبة الأثر” إعادة تعريف الدورما يحتاجه السودان اليوم ليس استبدال النخب، بل إعادة تعريف وظيفتها.
من هنا يبرز مفهوم “نخبة الأثر” مقابل “نخبة الخطاب”“نخبة الأثر” هي تلك التي لا تدّعي الإحاطة بكل شيء، بل تركز على مجال محدد، وتعمل فيه وفق منهج عملي قابل للقياس في التعليم، أو الوساطة المجتمعية، أو العمل الإنساني، أو بناء المبادرات المحليةهذا التحول من الشمول النظري إلى التخصص الفعلي لا يقلل من قيمة الفكر، بل يعيد ربطه بالواقع، ويمنحه قدرة على التراكم بدل التشتتأخلاقيات الفعل من النقد إلى الاشتباكإن الأزمة في السودان ليست نقصًا في الأفكار، بل في تحويل الأفكار إلى أفعال.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المثقف اليوم هو الانتقال من موقع “الناقد من الخارج” إلى موقع “الفاعل داخل السياق”فالمعرفة التي لا تتحول إلى أثر اجتماعي ملموس، تظل معرفة معلقة في فضاء الخطاب، بينما السودان في حاجة إلى معرفة تشتبك مع واقعه، وتعيد تشكيله ببطء ولكن بفعاليةلا يعاني السودان من غياب النخب، بل من تشتتها وفقدانها لبوصلة مشتركة.
وبين “نخبة الخطاب” و“نخبة الأثر”، تتحدد ملامح المرحلة القادمة إما استمرار الدوران داخل دائرة التنظير والصراع، أو الانتقال نحو فعل معرفي ينتج أثرًا حقيقيًا في الواقعوفي النهاية، لا يحتاج السودان إلى من يعرفون كل شيء، بل إلى من يُتقنون شيئًا واحدًا بما يكفي لصناعة فرق حقيقي في حياة الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك