نواكشوط – «القدس العربي»: في نواكشوط، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع تحديات الواقع الاجتماعي، تستضيف موريتانيا حاليا، منتديات عامة حول ضمانها الاجتماعي في لحظة توصف بأنها مفصلية في مسار بناء نظام حماية اجتماعية أكثر شمولاً وعدالة.
غير أن ما يطفو على سطح هذه التظاهرة لا يختزل فقط في النقاشات التقنية حول الإصلاح، بل يعكس سؤالاً أعمق يتعلق بقدرة موريتانيا على تحويل الطموح الاجتماعي إلى سياسات قابلة للتنفيذ في اقتصاد يهيمن عليه القطاع غير المصنف والهش.
وتجمع منصة المنتديات، التي تمتد على مدى ثلاثة أيام، صناع القرار وخبراء وفاعلين دوليين، وعلى رأسهم منظمة العمل الدولية، لبحث ملفات معقدة تتراوح بين الاستدامة المالية، وتوسيع التغطية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الحوكمة.
غير أن الأرقام التي طُرحت في جلسة الافتتاح تكشف عن تقدم لافت، لكنه يظل محدود الأثر إذا ما وُضع في سياق البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلد.
ففي مداخلة لها، كشفت المديرة الإقليمية لإفريقيا في منظمة العمل الدولية، فانفاه ارواييندو كايرانغوا، عن ارتفاع نسبة السكان المشمولين بالحماية الاجتماعية في موريتانيا من 11.
6 في المئة سنة 2019 إلى 23.
1 في المئة في 2024.
ويعكس هذا الارتفاع، الذي وصفته المسؤولة الدولية بـ»التحسن الملموس»، دينامية إيجابية بدأت تتشكل، خاصة في ما يتعلق بتوسيع تغطية الأطفال والتكفل بالفئات الهشة.
كما أشارت كايرانغوا إلى أن نتائج المسح المنجز بدعم من المنظمة أظهرت تحسناً في مؤشرات الهدف 1.
3 من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بإرساء نظم حماية اجتماعية مناسبة للجميع، وهي إشارات تعزز الرواية الرسمية التي تتحدث عن بداية تحول تدريجي في هذا القطاع الحيوي.
لكن، ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن القراءة المتأنية تكشف أن هذا التقدم ينطلق من قاعدة ضعيفة، حيث لا يزال أكثر من ثلاثة أرباع السكان خارج أي نظام حماية رسمي.
ويعكس ذلك واقع سوق العمل في موريتانيا، حيث يشتغل أغلب السكان في أنشطة غير مصنفة، دون عقود أو اشتراكات، ما يجعل إدماجهم في منظومة الضمان الاجتماعي تحدياً بنيوياً معقداً.
ويضع هذا الواقع النظام الحالي أمام معادلة صعبة: كيف يمكن توسيع التغطية في ظل قاعدة تمويل محدودة؟ فأنظمة الضمان الاجتماعي التقليدية تقوم أساساً على اشتراكات العمال وأرباب العمل، وهو نموذج يصعب تطبيقه في اقتصاد يغيب فيه التنظيم عن جزء كبير من سوق العمل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في نماذج هجينة، تجمع بين التمويل العمومي عبر الضرائب، ومساهمات القطاع المنظم، وآليات تضامن مبتكرة تستهدف الفئات غير المصنفة، وهي مقاربات بدأت بعض الدول الإفريقية في اختبارها، لكنها تظل رهينة بقدرة الحكومات على ضمان الشفافية وحسن التسيير.
وفي السياق الموريتاني، لا يمكن اختزال الضمان الاجتماعي في كونه ملفاً تقنياً أو مالياً فقط، بل هو رافعة أساسية للاستقرار الاجتماعي؛ فمع استمرار معدلات الفقر والهشاشة، خاصة في المناطق الريفية، تصبح الحماية الاجتماعية أداة مباشرة لتقليص الفوارق وتعزيز التماسك المجتمعي.
غير أن التحدي لا يقتصر على توسيع التغطية، بل يشمل أيضاً تحسين جودة الخدمات المقدمة.
فثقة المواطنين في النظام تظل عاملاً حاسماً في نجاح أي إصلاح، خصوصاً في ظل تجارب سابقة في دول نامية عانت فيها صناديق الضمان الاجتماعي من اختلالات في التسيير وضعف في الشفافية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمثل الضمان الاجتماعي سلاحاً ذات حدين.
فمن جهة، يمكن لنظام فعال أن يعزز الإنتاجية ويخلق بيئة أكثر استقراراً للاستثمار، من خلال تقليص المخاطر الاجتماعية وتحسين علاقة الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.
ومن جهة أخرى، فإن أي زيادة غير مدروسة في الأعباء على الشركات قد تدفعها نحو التهرب أو البقاء في القطاع غير الرسمي، ما يعمق الإشكال بدل معالجته.
وتعكس المنتديات الحالية، وفق الموقف الرسمي، محطة بارزة للحوار الجاد والتشاور المسؤول، وتجسيداً لالتزام وطني يهدف إلى الارتقاء برفاه المواطن.
غير أن التجارب السابقة في العديد من الدول تظهر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشخيص المشكلات، بل في تنفيذ الإصلاحات.
وفي هذا الإطار، تبدو الأولويات واضحة: إدماج تدريجي للقطاع غير المصنف، وتوسيع التمويل العمومي للحماية الاجتماعية، وتعزيز الحوكمة والرقابة، وربط السياسات الاجتماعية بإصلاحات اقتصادية أوسع تخلق فرص عمل منظمة ومستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك