في الخامس والعشرين من أبريل لعام 2026، تقف مصر بشموخ لتحتفل بالذكرى الرابعة والأربعين لعيد تحرير سيناء، ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد تاريخ عابر يسجل في الروزنامة الوطنية، بل هو تتويج لأعظم معركة إرادة وكرامة في التاريخ الحديث؛ استردت فيها" أرض الفيروز" كاملة غير منقوصة.
إنها القصة الكاملة لوطن رفض الانكسار، وقرر أن يعبر من الهزيمة إلى قمة النصر، ثم إلى ساحات الدبلوماسية، ليثبت للعالم أجمع أن الحق الذي تسانده القوة، ويفاوض عنه العقل، لا يمكن أن يضيع أبدا.
جرح 1967.
مرارة الفقد وبداية التحديبدأت فصول القصة في الخامس من يونيو عام 1967، حين تعرضت مصر لضربة قاسية أسفرت عن احتلال شبه جزيرة سيناء.
كانت تلك الأيام حبلى بالقهر، حيث خيم الحزن على شوارع المحروسة، وباتت قناة السويس حاجزا مائيا يفصل المصريين عن قطعة من قلبهم.
لكن القيادة العسكرية والشعب المصري لم يستسلموا لمرارة الهزيمة أو لليأس، ومن قلب المعاناة، انطلقت" حرب الاستنزاف"، التي كانت بمثابة رسالة نارية واضحة للعدو بأن بقاءه في سيناء لن يكون نزهة، بل سيكون جحيما يدفع ثمنه كل يوم من دماء جنوده وعتاده، لتبدأ عملية استنزاف قدرات الخصم وإعادة بناء الجيش المصري.
نصر أكتوبر 1973.
زلزال العبور وتحطيم الأسطورةجاء السادس من أكتوبر 1973 ليقلب الموازين ويغير خريطة الشرق الأوسط بأسرها.
في ظهيرة ذلك اليوم المجيد، انطلقت مئات الطائرات المصرية لتدك حصون العدو، وتدفقت موجات المشاة لتعبر قناة السويس في معجزة عسكرية غير مسبوقة حطمت" خط بارليف" الذي وصفه العدو الإسرائيلي بالمنيع.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة لاستعادة جزء من الأرض، بل كانت استعادة للكبرياء المهدور، حيث سطر الجندي المصري بدمائه أروع ملاحم البطولة، وأثبت للعالم أن إرادة القتال قادرة على قهر المستحيل، مما كسر غرور العدو وأجبره على إدراك استحالة فرض سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح.
معارك السلام والدبلوماسية.
استعادة الأرض بالحكمة والسياسةبعد الانتصار العسكري المبهر، أدرك الرئيس أنور السادات، أن المعركة لم تنته بعد، بل انتقلت إلى ميدان آخر لا يقل ضراوة، وهو ميدان الدبلوماسية والمفاوضات الشاقة.
انطلقت مبادرة السلام بزيارة السادات التاريخية للقدس عام 1977، والتي مهدت الطريق لاتفاقية" كامب ديفيد" عام 1978، ثم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26 مارس 1979.
نصت المعاهدة بوضوح وحسم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من شبه جزيرة سيناء، وعودة السيادة المصرية عليها، في انتصار سياسي يدرس في أرقى المعاهد الدبلوماسية العالمية.
25 أبريل 1982.
رفع العلم وميلاد" عيد التحرير"جاء يوم 25 أبريل 1982 ليكتب بحروف من نور في تاريخ مصر الحديث، حيث إنه في هذا اليوم التاريخي، تم رفع العلم المصري خفاقا فوق شبه جزيرة سيناء، بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، ليعود الوجه المشرق لأرض الفيروز إلى حضن الوطن الأم.
كان مشهدا مهيبا امتزجت فيه دموع الفرح بصيحات الانتصار، ليعلن هذا اليوم رسميا" عيدا لتحرير سيناء".
إلا أن الفرحة كانت تنتظر فصلا أخيرا لتكتمل السيادة المطلقة.
ملحمة طابا.
الكلمة الأخيرة للسيادة المصريةحاولت إسرائيل التلاعب في الأمتار الأخيرة، وافتعلت أزمة حول شريط" طابا" الحدودي، رافضة الانسحاب منه بحجة وجود خلاف على العلامات الحدودية.
هنا، برز دور الدبلوماسية المصرية المدعومة بخبراء التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، حيث خاضت مصر معركة تحكيم دولي شرسة، استخدمت فيها كل الوثائق والخرائط التاريخية التي تثبت حقها.
وفي عام 1988، صدر حكم هيئة التحكيم الدولية بأحقية مصر في طابا، ليتم رفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989، وتطوى صفحة الاحتلال إلى الأبد.
سيناء 2026.
من التحرير بالدماء إلى معارك البناء والتعميرونحن نحيي هذه الذكرى في عام 2026، لا يمكننا أن ننظر إلى سيناء على أنها مجرد ساحة لمعارك الماضي، بل هي اليوم قلب مصر النابض بالمستقبل.
لقد خاضت مصر في السنوات الماضية معركة لا تقل شرفا عن حرب أكتوبر، وهي معركة تطهير سيناء من دنس الإرهاب، والتي تكللت بالنجاح بفضل تضحيات أبطال القوات المسلحة والشرطة.
واليوم، تشهد سيناء نهضة تنموية شاملة؛ حيث تم ربطها بالوادي عبر شبكة عملاقة من الأنفاق والكباري، وأقيمت فيها مدن جيل رابع حديثة، ومشروعات زراعية وصناعية وسياحية ضخمة.
لقد تحولت رمالها إلى ساحات للعمل والإنتاج، لتثبت مصر أن الحفاظ على الأرض لا يكون فقط برفع السلاح، بل باستمرار التنمية والتعمير.
سيظل عيد تحرير سيناء في ذكراه الرابعة والأربعين لعام 2026، وما بعدها، بوصلة تذكر الأجيال المتعاقبة بأن الأوطان لا تسترد بالأمنيات، بل بالعرق والدم والإرادة التي لا تلين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك