تعد منطقة الشرق الأوسط في ربيع عام ألفين وستة وعشرين مسرحا لواحد من أكثر الصراعات تعقيدا وخطورة في التاريخ المعاصر، حيث بلغت حالة الاستقطاب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ذروتها التاريخية، ويأتي هذا الانفجار في المشهد السياسي أعقاب تعثر جولة المفاوضات المباشرة الأولى التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وما تلاها من إجراءات أمريكية غير مسبوقة تمثلت في فرض حصار بحري شامل استهدف خنق الموانئ الإيرانية تماما ومنعها من تصدير قطرة نفط واحدة، هذا الواقع المتأزم وضع الملاحة الدولية في مضيق هرمز على فوهة بركان ثائر، مما دفع العالم بأسره نحو حافة هاوية اقتصادية وأمنية مجهولة الملامح، ومع ذلك يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت هذه القمة من التصعيد هي في الواقع مجرد تكتيك استراتيجي لرفع سقف المطالب قبل العودة الجبرية إلى طاولة المفاوضات قريبا، أم أنها إعلان رسمي عن دخول مرحلة الصدام العسكري الشامل الذي لا عودة عنه في ظل استراتيجية دولية تقوم على تكسير العظام.
وفي تحول دراماتيكي ومفاجئ، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اللحظات الاخيرة بتمديد الهدنة مع إيران بمثابة مفاجأة كبرى للأوساط السياسية، فخلال الأيام القليلة الماضية أكدت واشنطن بلهجة حاسمة أنها لن تمدد وقف إطلاق النار حال عدم التوصل لاتفاق نهائي بحلول الموعد المحدد، إلا أنه في اللحظة الأخيرة برز توجه أمريكي نحو التهدئة عبر منح فرصة إضافية للمسار الدبلوماسي، مع الإبقاء على حصار مضيق هرمز مشددا كأداة ضغط استراتيجية، وفي المقابل قوبل هذا التراجع بحذر شديد من جانب طهران التي شككت في النوايا الأمريكية، معتبرة أن هذه المناورة قد تكون غطاء لإعادة ترتيب الأوراق الميدانية أو تمهيدا لعمل عسكري مباغت.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشير المعطيات الراهنة إلى أن الجمود الحالي في الموقف التفاوضي يعود إلى تعقد الملفات المطروحة وحاجتها إلى مراجعات دقيقة وشاملة، حيث لم تتبلور بعد صيغة توافقية نهائية بخصوص القضايا الجوهرية كنسب تخصيب اليورانيوم، ومصير المخزون الحالي، وآليات رفع العقوبات الاقتصادية، فضلا عن التداخلات السياسية والعسكرية المعقدة التي تفرض نفسها على طاولة البحث، هذا البطء في ردود الفعل الدبلوماسية جعل الأطراف الدولية والوسطاء الباكستانيين في سباق مع الزمن لتجاوز العقبات التقنية والسياسية التي تعطل قنوات التواصل الفعال وتمنع الوصول إلى أرضية مشتركة.
ورغم حالة الضبابية التي تخيم على المشهد، فإن الآمال لا تزال معلقة على عقد لقاء جديد وحاسم بين المفاوضين في إسلام آباد، فبدلا من الانزلاق السريع نحو خيار المواجهة المسلحة التي ستكون تكلفتها باهظة على الجميع، يبرز خيار تمديد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين إضافيين كمتنفس أخير للدبلوماسية، ويبدو أن البيت الأبيض يفضل في الوقت الراهن منح الوسطاء مساحة أوسع للتحرك دون التقييد بمواعيد نهائية صارمة قد تؤدي إلى انهيار العملية التفاوضية برمتها وتفتح الباب أمام سيناريوهات الحرب الشاملة.
إن سياسة عض الأصابع هذه تؤدي إلى تأثيرات اقتصادية زلزالية تتجاوز حدود الإقليم لتضرب استقرار النظام المالي العالمي في مقتل، فبمجرد إعلان واشنطن تشديد الحصار البحري وتلويح طهران بالرد في الممرات المائية، قفزت أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية أربكت حسابات الدول الصناعية، مما فجر موجة تضخم عالمية جديدة تضغط بشدة على الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، وقد حول هذا المشهد الوضع إلى سياسة حافة الهاوية، حيث يدفع كل طرف بالآخر نحو الانهيار مراهنا على تراجعه في اللحظة الأخيرة، وهو رهان يمثل مقامرة كبرى تضع الأمن الغذائي وأمن الطاقة العالمي في كف عفريت، وتجعل من أي احتكاك بحري شرارة لحرب كونية مدمرة.
لقد امتدت شظايا هذا التصعيد لتضرب مصالح القوى الكبرى، حيث تجد أوروبا نفسها ممزقة بين التزامها الاستراتيجي مع الإدارة الأمريكية وحاجتها الماسة لتأمين تدفقات الطاقة التي يهددها الحصار المستمر في مضيق هرمز، مما يضع القارة أمام شبح ركود طويل وانقسام سياسي، وفي المقابل تحاول روسيا تعزيز تموضعها كحليف استراتيجي لطهران، بينما تواجه الصين اختبارا مصيريا لمكانتها، فهي المستورد الأكبر للنفط وتعتبر أي تعطل في طرق الحرير البحرية تهديدا مباشرا لأمنها القومي، مما يدفع بكين لممارسة ضغوط هائلة لتهدئة الأوضاع وضمان استمرار الملاحة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز إسرائيل كلاعب محوري يتبنى موقفا متشددا يدفع نحو استمرار الضغط الأقصى، ويتجسد ذلك في توجهات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي يلوح بأن إسرائيل تنتظر الضوء الأخضر الأمريكي للقيام بعمل عسكري يستهدف تدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل، هذا الموقف المتصلب يهدف لإعاقة أي تقدم دبلوماسي خشية أن تمنح المفاوضات طهران شرعية إقليمية أو نووية، مما يجعل التحركات الإسرائيلية العقبة الأكبر أمام الوصول إلى انفراجة حقيقية في جولة إسلام آباد القادمة.
ويبقى السؤال الملح الذي يفرض نفسه بقوة في ظل هذا المشهد القائم على سياسة عض الأصابع وتحطيم الإرادات، وفي ظل الوضع الشائك بمضيق هرمز الذي بات يهدد أمن منطقة الخليج برمتها، من سيصرخ أولا ومن سيملك الشجاعة السياسية لتقديم التنازلات الضرورية لإنقاذ الموقف؟ هل سينجح منطق العقلانية القسرية في إجبار الخصوم على التراجع بتقديم تنازلات متبادلة ومؤلمة تخرج الجميع من مأزق الحرب، واستبدال لغة الحصار والتهديد بطاولة الحوار الجاد للوصول إلى تفاهمات تضمن أمن الممرات المائية وتدفق الطاقة، أم أن العالم قد تجاوز بالفعل نقطة الأمان ليجد نفسه مجبرا على دفع ثمن صراع الإرادات في حرب مدمرة تحول الخليج والمنطقة إلى ساحة دمار شامل لا منتصر فيها وتدمر اقتصاديات العالم؟ إن الأيام القليلة القادمة في إسلام آباد ستحدد من هو الطرف الذي سيحني رأسه لعاصفة المنطق ويتراجع خطوة إلى الوراء، فإما أن تكون هذه الجولة بوابة للعبور نحو استقرار مستدام يحمي شريان الحياة العالمي، أو مجرد استراحة قصيرة وهدوء يسبق الانفجار الكبير.
ونكرر.
هل تكسر الدبلوماسية حصار واشنطن وطموح طهران؟ في حرب لا خاسر فيها سوى الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك