ما نكتبه في حالات الواتساب ليس مجرد كلمات عابرة تُلقى في فضاء رقمي عابر، بل هو — في كثير من الأحيان — امتداد نفسي خفي لصوتٍ لا يجد طريقه المباشر إلى البوح.
إن “الحالة” في هذا السياق ليست نصًا فحسب، بل أثرٌ نفسي، ومؤشرٌ دقيق على ما يعتمل في الداخل من مشاعر وتوترات ورغبات، أو حتى صراعات غير محسومة.
بل يمكن القول بدرجة أعمق إن ما نكتبه في حالة الواتساب يمثل أفكارنا واهتماماتنا وميولنا واتجاهاتنا وقيمنا، بل وقضايانا التي نعيشها في صمتٍ أو نكابدها في الخفاء؛ فهو انعكاس غير مباشر لخريطة الداخل بكل تعقيداتها.
في علم النفس، يُنظر إلى هذا السلوك بوصفه نوعًا من “التعبير غير المباشر” (Indirect Expression)، حيث يلجأ الفرد إلى وسائل رمزية لإيصال ما لا يستطيع قوله صراحة.
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، لكنه في الوقت ذاته كائن حذر؛ يخشى الرفض، ويتجنب المواجهة، ويبحث عن القبول دون أن يعرّض ذاته للانكشاف الكامل.
ومن هنا، تتحول “الحالة” إلى مساحة آمنة نسبيًا: يقول فيها ما يريد، دون أن يحدد لمن يقول، ويُسقط فيها شيئًا من ذاته دون أن يلتزم بتفسيره.
هذه الازدواجية تخلق حالة نفسية مركبة؛ فالشخص الذي يكتب حالة حزينة أو غامضة قد لا يريد فقط أن يُفهم، بل يريد أن يُلاحظ.
وهناك فرق دقيق بين الرغبة في البوح والرغبة في أن يُكتشف البوح.
الأولى صريحة، أما الثانية فمشبعة بالتردد، وربما بالخوف من التبعات.
لذلك تأتي العبارات غالبًا مواربة، تحمل أكثر من معنى، وتفتح الباب لتأويلات متعددة، وكأن الكاتب يقول: “افهمني إن استطعت، لكن لا تُحرجني بالسؤال”.
وهنا تتجلى الحالات بوصفها مرايا رمزية تعكس اتجاهات الفرد ومواقفه، حتى وإن لم يُفصح عنها بوضوح.
من زاوية أعمق، يمكن تفسير هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ “الحاجة إلى الاعتراف” (Need for Recognition).
فالفرد لا يكتفي بالشعور، بل يحتاج أن يُرى وهو يشعر.
الحالة هنا تصبح مرآة يُلقي فيها جزءًا من ذاته، منتظرًا أن يلتقطه الآخرون.
الإعجابات، الردود، أو حتى الصمت… كلها تتحول إلى تغذية راجعة نفسية تعيد تشكيل شعوره بذاته وبعلاقاته.
ومن خلال هذه التفاعلات، تتبلور صورة الفرد عن نفسه: كيف يُرى؟ وكيف يريد أن يُرى؟ وما الذي يختار إظهاره من قيمه واهتماماته.
لكن اللافت أن كثيرًا من هذه الحالات تحمل طابعًا موجّهًا، وإن لم يُذكر المرسل إليه.
قد تكون رسالة لشخص محدد: عتابًا، أو شوقًا، أو حتى احتجاجًا صامتًا.
وهذا ما يُدخلنا في مفهوم “التواصل غير المواجِه” (Non-confrontational Communication)، حيث يختار الفرد أن يُعبّر دون أن يفتح باب الحوار المباشر.
هنا، الحالة ليست فقط تعبيرًا، بل أداة تواصل بديلة، وربما وسيلة ضغط ناعمة، تحمل في طياتها مواقف واتجاهات لا يُراد إعلانها صراحة، لكنها تُبث بطريقة قابلة للفهم لمن يعنيه الأمر.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النمط من آثار نفسية معقدة.
فالتعبير غير المباشر قد يمنح راحة مؤقتة، لكنه لا يحل الإشكال الحقيقي.
بل قد يزيد من سوء الفهم، ويعمّق الفجوة بين الأفراد، خاصة إذا فُسرت الرسائل بطرق مختلفة.
كما أن الاعتماد المتكرر على هذا الأسلوب قد يعزز نمطًا من “الكبت المقنّع”، حيث يُعبّر الشخص دون أن يُعالج، ويُفرغ دون أن يُواجه، فتتراكم القضايا الداخلية بدل أن تُحل، وتظل القيم والاتجاهات حبيسة التعبير الرمزي لا الفعل الواقعي.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن هذه المساحة الرقمية أتاحت لكثير من الناس فرصة التعبير، خاصة أولئك الذين لا يجيدون البوح المباشر أو يعيشون في بيئات لا تسمح بسهولة الإفصاح عن المشاعر.
فالحالة، رغم بساطتها الظاهرية، قد تكون صمام أمان نفسي، أو محاولة أولى لفهم الذات قبل فهم الآخرين، أو حتى خطوة تدريجية نحو مصالحة داخلية أعمق مع الأفكار والقيم والاتجاهات التي يحملها الإنسان.
في النهاية، ما نكتبه في حالات الواتساب هو نص صغير بحجم الشاشة، لكنه كبير بقدر ما يحمله من إنسان.
هو ليس كلامًا فارغًا، بل كلامٌ ممتلئ…ممتلئ بما لم يُقل، وما لم يُفهم، وما يُنتظر أن يجد طريقه — يومًا ما — إلى وضوحٍ أشجع، وصدقٍ أكثر مباشرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك