بعد مرور نصف قرن على عودة الحياة الحزبية في مصر، لم يعد السؤال يدور فقط حول عدد الأحزاب أو شرعية وجودها، لكنه أصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل لدينا أحزاب بلا جماهير، أم جماهير بلا أحزاب؟
هذا السؤال يعبر عن جوهر إشكالية الوجود السياسي الذي ظل حاضراً في قلب التجربة الحزبية المصرية، وتتبدل صوره مع تغير الظروف السياسية والاجتماعية، لكنه لم يختفِ من المشهد العام.
والتجربة الحزبية المصرية بشكل عام، رغم امتدادها الزمني وتعدد محطاتها، ما زالت تبحث عن المعادلة الصعبة التي تجمع بين التنظيم السياسي الفاعل، والقاعدة الشعبية المؤمنة بدوره، في إطار من التوازن بين الدولة والمجتمع.
جاءت عودة الحياة الحزبية في منتصف سبعينات القرن الماضي استجابة لتحولات سياسية داخلية وخارجية، وسعياً لفتح المجال العام أمام التعددية السياسية، بعد مرحلة طويلة من التنظيم السياسي الواحد.
ومنذ ذلك التاريخ، شهدت مصر تأسيس عشرات الأحزاب، بمرجعياتها الفكرية بين الليبرالية واليسارية والقومية والدينية، كما اختلفت أدوارها بين المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، أو الاكتفاء بالحضور الرمزي في المشهد العام.
لكن هذا التعدد الكمي لم يتحول دائماً إلى ثقل نوعي يعكس حضوراً جماهيرياً واسعاً، وهو ما جعل سؤال التمثيل السياسي يطرح نفسه بقوة مع كل استحقاق انتخابي أو لحظة سياسية فارقة.
في جانب من الصورة، يمكن القول إن كثيراً من الأحزاب عانت بالفعل من ضعف الامتداد الشعبي، لأسباب متعددة، من بينها محدودية الموارد المالية والتنظيمية، وغياب الكوادر المدربة، وضعف القدرة على التواصل مع الفئات الاجتماعية المختلفة، خاصة الشباب والطبقات الوسطى.
وبعض الأحزاب نشأت في ظروف سياسية معقدة، أو تأسست بدوافع شخصية أو نخبويّة، دون أن تستند إلى قاعدة اجتماعية حقيقية، فبقيت كيانات سياسية على الورق أكثر منها قوى مؤثرة في الواقع.
لكن الجانب الآخر من الصورة لا يقل أهمية، إذ إن الجماهير نفسها لم تنخرط دائماً في العمل الحزبي بالشكل الذي يضمن حيوية الحياة السياسية.
ثقافة العمل الحزبي في مجتمعنا ظلت محدودة نسبياً، نتيجة تراكمات تاريخية وتجارب سياسية سابقة، جعلت قطاعات واسعة من المواطنين تنظر إلى الأحزاب باعتبارها كيانات بعيدة عن همومها اليومية، أو عاجزة عن تحقيق تغيير ملموس في حياتها، حتى إن كان ذلك على غير الحقيقة.
ومع مرور الوقت، تعززت هذه الفجوة بين المواطن والأحزاب، فضعفت الثقة المتبادلة، وتراجع الإقبال على العضوية الحزبية، أو المشاركة في الأنشطة السياسية المنظمة.
ولا يمكن فهم هذه الإشكالية بمعزل عن طبيعة الدولة الوطنية في مصر، التي لعبت دوراً مركزياً في إدارة الشأن العام منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلت الدولة هي الفاعل الرئيسي في مجالات التنمية والخدمات، وهو ما حدّ من مساحة المبادرة المجتمعية، بما في ذلك العمل الحزبي.
وفرضت أيضاً التحديات الأمنية والاقتصادية التي واجهتها مصر في فترات مختلفة، أولويات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار «أحياناً» على حساب توسيع المجال السياسي، وهو أمر مفهوم في سياق إدارة الدول للأزمات، لكنه ترك أثره على تطور الحياة الحزبية.
ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود الماضية، أسهمت في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية، وظهور فئات جديدة ذات اهتمامات مختلفة، لم تنجح الأحزاب دائماً في استيعابها أو التعبير عن تطلعاتها.
الشباب، الذين يمثلون النسبة الأكبر من السكان، يبحثون عن أدوات جديدة للتعبير والمشاركة، غالباً خارج الأطر الحزبية التقليدية، من خلال المبادرات المجتمعية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس تغيراً في أنماط العمل السياسي، لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته.
ومع ذلك، لا يجوز اختزال التجربة الحزبية المصرية في صورة سلبية أو متشائمة، فهناك أحزاب استطاعت، رغم التحديات، أن تحافظ على حضورها السياسي، وأن تقدم نماذج للعمل العام، سواء من خلال المشاركة في الانتخابات، أو طرح رؤى وبرامج سياسية، أو الدفاع عن قضايا اجتماعية واقتصادية تمس حياة المواطنين.
وشهدت السنوات الأخيرة محاولات لإعادة تنشيط العمل الحزبي، وتعزيز الحوار الوطني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، بما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الأحزاب كركيزة أساسية في أي نظام سياسي حديث.
إن إشكالية «أحزاب بلا جماهير أم جماهير بلا أحزاب» ليست مجرد معادلة نظرية، بل هي انعكاس لتحدٍ حقيقي يتعلق ببناء الثقة بين المواطن والتنظيم السياسي.
الأحزاب مطالَبة بتجديد خطابها، وتطوير هياكلها التنظيمية، والانفتاح على قضايا الناس اليومية، بعيداً عن الشعارات العامة أو الخطابات التقليدية.
وعليها أيضاً الاستثمار في بناء الكوادر الشابة القادرة على التواصل مع المجتمع، واستخدام أدوات الاتصال الحديثة في العمل السياسي والإعلام الحزبي.
في المقابل، فإن المجتمع نفسه مدعو لإدراك أهمية المشاركة الحزبية كوسيلة للتعبير عن المصالح والآراء، وليس فقط كخيار سياسي ثانوي.
الديمقراطية لن تتحقق من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، بل تحتاج إلى مجتمع نشط، وأحزاب قوية، ومواطنين يؤمنون بدورهم في صنع القرار.
ومن دون هذا التفاعل المتبادل، ستظل الفجوة قائمة بين الأحزاب والجماهير، مهما تعددت القوانين أو تغيرت الهياكل التنظيمية.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد مقراتها أو بياناتها، وإنما بقدرتها على تمثيل الناس، والتعبير عن مصالحهم، والمشاركة في صنع السياسات العامة.
التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في إنشاء أحزاب جديدة بقدر ما يتمثل في بناء أحزاب فاعلة، قادرة على استعادة ثقة المواطن، وتحويل التعددية السياسية من مجرد إطار قانوني إلى ممارسة حقيقية في الحياة اليومية.
السؤال المطروح في عنوان هذا المقال لا يحمل إجابة واحدة حاسمة، بل يعكس علاقة جدلية بين طرفين: الحزب والجمهور، فإذا كانت الأحزاب قد قصّرت أحياناً في الوصول إلى الجماهير، فإن الجماهير بدورها لم تمنح العمل الحزبي دائماً الفرصة الكافية ليؤدي دوره الكامل.
ومن هنا، فإن مستقبل الحياة الحزبية في مصر خلال العقود القادمة سيعتمد على قدرة الطرفين معاً على إعادة بناء هذه العلاقة، على أساس من الثقة والمسؤولية المشتركة، بما يضمن نظاماً سياسياً أكثر حيوية، ومجتمعاً أكثر مشاركة، ودولة أكثر استقراراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك