بدأت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران أواخر فبراير الماضي، لكن لا أحد يمكنه معرفة متى أو كيف ستنتهي؟ علما بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصر على تسميتها بعملية عسكرية، وهي ذات التسمية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حربه ضد أوكرانيا، التي بدأت أواخر فبراير، أيضا، من العام 2022، أي منذ أربعة أعوام، ولم تنته بعد.
على ذلك يمكن التكهن بعدة خيارات، أو سيناريوهات، يمكن أن تضع حدا لتلك الحرب، وفقا لتوجهات الإدارة الأميركية، وللمعطيات الدولية والإقليمية، السياسية والاقتصادية والأمنية، المتعلقة بها، يأتي ضمنها:أولا، مواصلة تلك الحرب عبر توجيه ضربات قاسية ضد الأماكن الحيوية في إيران، بما يصل إلى إسقاط النظام فيها، وهذا ما تشجع عليه إسرائيل.
ثانيا، محاولة خلق نوع من كماشة مزدوجة لتهديد النظام الإيراني وإخضاعه للشروط الأميركية، من خلال الضربات العسكرية، ومن خلال إشعال الضغط الداخلي، لإجباره على التخلي عن القدرات النووية، والصواريخ البالستية، وإنهاء علاقته بالميلشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية له في المنطقة، وفتح مضيق هرمز لحرية الملاحة.
ثالثا، القيام بعمل عسكري محدود على الأرض في الجزر الإيرانية في الخليج، وضمنها جزيرة" خرج"، وربما في الشواطئ الإيرانية المطلة على الخليج، لإحداث صدمة قوية يمكن أن تزلزل النظام، وتضعه في دائرة التهديد لمدى طويل.
رابعا، استعادة الخيار" العراقي"، إذ قامت الولايات المتحدة إبان حرب الخليج الثانية (1991) بإخراج الجيش العراقي من الكويت، وفرض الحصار والعزل والعقوبات عليه، ما أدى إلى إرهاقه واستنزافه إلى حين أتى أوان إسقاطه، وهو ما حصل عبر الغزو الأميركي للعراق (2003)، أي بعد 12 عامًا.
الآن، من الواضح أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران استطاعت إضعاف النظام الإيراني، من كل النواحي، سواء باغتيال قيادات الصف الأول والثاني، أو من خلال استنزاف وشل القدرات العسكرية، وكذلك من خلال حجم الدمار في البني التحتية والعمران والنزيف الاقتصادي الهائل.
فوق ما تقدم، فقد كشفت تلك الحرب عن مشكلات عديدة لنظام الإيراني، أهمها، أولا، أنه بالرغم من استعداده الواضح، والقوي، لمثل تلك الحرب، من كل النواحي، فإن موارده محدودة، العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
ثانيا، أنه مكشوف تماما، إذ لا توجد دولة في العالم تقدم له أي مؤازرة، وضمن ذلك دول مجموعة" بريكس"، التي طالما راهن عليها لتقويض القطب الأميركي، وضمنها الصين وروسيا والهند.
ثالثا، إنه بسبب سياساته الابتزازية إزاء دول الجوار، وخاصة في الخليج العربي، بات معزولا على صعيد الإقليم، وما يفاقم الأمر أكثر على هذا الصعيد قيامه باستهداف تلك الدول، بحيث أن خمس المسيرات والصواريخ الإيرانية استهدفت إسرائيل، في مقابل أربعة أخماس منها استهدفت دول الخليج العربي.
رابعا، خسر النظام الإيراني، في غضون العامين الماضيين، عديدًا من نقاط ارتكازه، إذ خسر العراق تقريبا، كما خسر سوريا ولبنان، وخسر معها معظم أذرعه الممسلحة في المشرق العربي.
مشكلة النظام الإيراني، أيضا، تكمن في إدراكاته القاصرة، إذ بنى كل سياساته على المواجهات العسكرية والميلشيات، التي ذهب معظمها أدراج الرياح، بعد أن صرف عليها المليارات، فضلا عن تحمله مسؤولية إنشائها، وإذ به لا يكسب سوى عداء دول المنطقة، والدخول في حرب أو في مواجهات عسكرية، مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كان قد حرص طوال العقدين الماضيين على النأي بنفسه عنها، حتى إبان حرب الإبادة الإسرائيلية الوحشية على غزة، وحتى إبان استهداف إسرائيل لحزب الله في لبنان (منذ أيلول/سبتمبر 2024).
المعنى أن تلك الإدراكات، التي بنيت على أساس أن الولايات المتحدة آيلة للانهيار وأن إسرائيل أوهن من خيوط العنكبوت، وأن دول" بريكس" تشكل قطبًا صاعدًا سيزيح الولايات المتحدة جانبًا، والتي أوصلت قيادييها للادعاء بأن بلدهم بات يسيطر على عدة عواصم عربية (بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء)، تبينت عن ادعاءات هوجاء، ومنفصمة عن الواقع، وأضرت بشعب إيران، وبالنظام الإيراني ذاته، مثلما أضرت ببلدان الخليج والمشرق العربي.
هكذا فإن النظام الإيراني بدلًا من أن يذهب نحو تعزيز مكانته الإقليمية، وتحصين بلده، بوضع شعبه على سكة التطور السياسي والاجتماعي والعلمي والتكنولوجي والاقتصادي، بدد موارده في مكان ليس بوسعه تصريف طاقته فيه، سوى إزاء جواره، لا في مقابل إسرائيل ولا الولايات المتحدة، وهذا ما يحصل مع الأسف، إذ الخاسر الأكبر شعب إيران، والشعوب العربية.
ما تقدم يفيد بأن النظام الإيراني، بإدراكاته القاصرة للأوضاع الدولية والإقليمية، ولموازين القوى، وبحكم تملك روح الغطرسة منه، أخطأ بحق شعبه، قبل أي أحد آخر، بوضع إيران في مواجهة العالم، وبالأخص جيرانه في دول الخليج والمشرق العربي، وبإثارته النعرة الطائفية التي صعدت إلى أقصاها بوجوده، مع تخليقه جماعات مسلحة، طائفية، في أكثر من بلد، وضمن ذلك تخصيص معظم موارده على التسلح، بدلًا من الاستثمار في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، والموارد البشرية، وانتهاج خيار التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، باعتبارها الخيار الأفضل لتعزيز قوة إيران وتحصينها داخليا وخارجيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك