يُسجل العراق ارتفاعاً كبيراً في مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية والأمنية خلال السنوات الماضية، سعت إلى تأسيسها أحزاب وشخصيات تتصدر الفضائيات المحلية في مجالات التحليل السياسي، إلا أن غالبية هذه المراكز بلا نتاج مدون، ولا تنظم ندوات أو لقاءات اعتيادية بالباحثين باختصاصاتها المتفرقة.
ووفقاً لتقديرات غير رسمية حصلت عليها" العربي الجديد"، من عضو سابق في لجنة الثقافة بالبرلمان العراقي، فإن هناك ما لا يقل عن 80 مركزاً للدراسات والبحوث في العراق، من بينها ثلاثة أو أربعة فقط لها إصدارات دورية وبحوث وأوراق تقدير موقف في الملفات العراقية أو الخارجية المرتبطة بالعراق.
واعتبر عضو البرلمان أن" هذا القطاع بحاجة إلى مراجعة، لـ" الحفاظ على المكانة المهنية والأكاديمية في العراق".
كثيرٌ من هذه المراكز البحثية غير مسجل بصيغة رسمية لدى السلطات العراقية، ومن دون مقرات معروفة أو برامج عمل، لكنها تمنح صفات محللين وباحثين في السياسة لمقربين من الأحزاب الدينية والفصائل المسلحة الحليفة لإيران غالباً.
يقول الباحث العراقي محمد العلي إن قسماً منها صارت" محل تندر من الصحافيين والمتخصصين والباحثين، لأنها وهمية وليس لها أي تأثير أكاديمي على أرض الواقع"، مبيناً لـ" العربي الجديد"، أن" الأحزاب والفصائل المسلحة تدعم تأسيس مراكز الدراسات والبحوث في إطار تحسين صورتها، أو خلق أبواب للتواصل مع النخب والمؤثرين، وعادة ما يترأس هذه المراكز شخصيات المحللين السياسيين الذين ينتمون إلى نفس الأحزاب والفصائل".
فضاءات لإنتاج مواقف سياسية جاهزة بصبغة أكاديميةواتهم العلي هذه الأحزاب بسلسلة من التجاوزات كان أولها الحصول على الألقاب العلمية من جامعات خارج البلاد وغير معترف بها، ثم تأسيس الجامعات والكليات التي تخرّج عشرات الآلاف من الطلبة سنوياً دون مقدرة علمية أو كفاءات، ثم التوغل إلى عمق العمل المنظماتي والإنساني وصولاً إلى تأسيس المراكز البحثية التي لا تقدم أي شيء ضمن اختصاصاتها".
كما ينتقد صحافيون وباحثون عراقيون الزيادة اللافتة في الألقاب العلمية في اختصاصات متفرقة تمنح للسياسيين أو المحللين القريبين من الأحزاب.
وخلال الفترات الماضية اتجه أعضاء في جهات سياسية مختلفة وآخرون ينتمون للفصائل المسلحة للظهور بصفات" المحلل السياسي"، و" الخبير الاستراتيجي"، أو" الخبير الدولي" و" الباحث في الشؤون الاستراتيجية".
من جانبها، بيَّنت المحامية العراقية نوف الطائي أن" تزايد عدد مراكز البحوث والدراسات في العراق ولاسيما تلكَ القريبة من الأحزاب المتنفذة بالبلاد، لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي بعد 2003، حيثُ اُفرِغَ الخطاب المعرفي من محتواه وتم تسييسه لخدمة أجندات سياسية وإدارة الرأي العام".
ولفتت في حديثٍ مع" العربي الجديد"، أن" كثيراً من هذه المراكز لا تؤدي وظيفة بحثية بالمعنى الأكاديمي ولا تُقدم دراسات رصينة أو أوراق سياسات قابلة للتقييم، بل تُستخدم لشرعنة الخطاب الحزبي وإسباغ صفة الباحث والخبير لشخصيات قريبة من الأحزاب، هم في الحقيقة أدوات لإنتاج مواقف سياسية جاهزة بصبغةٍ أكاديمية".
وأضافت أنه" ليس من الضرورة حتى أن يكون المحلل السياسي في مثل هذه المراكز باحثاً بالفعل بل يكفي أن يتم ترشيحه من جهة سياسية ليُدلي بموقفه إعلامياً، وكذلك هو الحديث عن المراكز البحثية والتي يبدو عدد كبير منها وهمية بوظيفتها، فهي غالباً لا تمتلك بُنية مؤسسية واضحة وبعضها غير مُسجّل رسمياً ولا تلتزم بأي معايير بحثية إن وُجدت إسهامات بحثية"، مؤكدة أن" الأحزاب تدعم هذه المراكز لأنها أداة من أدوات التأثير على الرأي العام، وهي تزوّد بعض الباحثين في مراكزهم دعماً مالياً دورياً عنمُساهمتهم بدعم أجندات الحزب اعلامياً وسياسياً وتمرير خطابها على أنه مستقل ومحايد وبني على أساس دراسات وأبحاث".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك