لا يبدو عيد العمال واحدًا في العالم العربي، فالمشهد يختلف جذريًا من بلد إلى آخر.
ففي دول أنهكتها النزاعات، قد يكون العامل قد فقد عمله أو متجره أو مزرعته أو مصنعه.
وفي بلدان أخرى، يعمل الشباب في وظائف مؤقتة بلا عقود واضحة أو استقرار مهني.
وفي مدن عربية عديدة، تتآكل الأجور أمام تكاليف السكن والغذاء والتعليم والرعاية الصحية، ليغدو العمل أقرب إلى وسيلة للبقاء منه إلى مسار للاستقرار.
هذا التباين يجعل من عيد العمال في السياق العربي مناسبة تتجاوز الإطار الاحتفالي التقليدي، لتصبح فرصة لقراءة أوسع لعالم عمل شديد التشظي.
بطالة الشباب: انتقال من التخرج إلى الانتظارتواجه المنطقة العربية منذ سنوات تحديًا بنيويًا في إدماج الشباب في سوق العمل.
فالشهادات التعليمية لا تترجم بالضرورة إلى فرص وظيفية، فيما لم يعد القطاع العام قادرًا على الاستيعاب كما في السابق، ويخلق القطاع الخاص وظائف غالبًا ما تفتقر إلى الاستقرار والحماية.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية، إلى أن أسواق العمل عالميًا تشهد تباطؤًا في خلق الوظائف واستمرارًا للفجوات بين الفئات العمرية والجندرية، وهو ما ينعكس في المنطقة العربية بارتفاع بطالة الشباب وضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي مقارنة بالرجال.
ولا تعني البطالة فقدان الدخل فقط، بل تمتد آثارها إلى تأجيل الاستقلال وتكوين الأسر، وإعادة رسم خيارات الهجرة، وتآكل الثقة بالمستقبل، حيث تتحول سنوات الشباب الأولى إلى مرحلة انتظار طويلة لفرصة قد لا تأتي، أو لعمل لا يتناسب مع المؤهلات ولا يوفر حماية كافية.
العمل غير النظامي: جهد بلا حمايةإلى جانب البطالة، يبرز العمل غير النظامي كأحد أبرز ملامح سوق العمل العربي.
إذ يعمل ملايين الأشخاص يوميًا خارج أي إطار قانوني أو حماية اجتماعية، من عمال يوميين وباعة وسائقين وعاملات منزليات وحرفيين وعمال زراعة، وصولًا إلى موظفين بلا عقود رسمية.
في هذا النمط من العمل، لا تكمن الإشكالية في غياب الوظيفة، بل في غياب الحماية.
فالعامل يواصل العمل والإعالة، لكنه يبقى عرضة للهشاشة في حال المرض أو الإصابة أو التعطل أو التقدم في السن، دون تأمين أو تقاعد أو إجازة مدفوعة.
وتشير تقديرات صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، إلى أن الاقتصاد غير النظامي يشكل نحو 70% إلى 72% من قوة العمل في المنطقة العربية، ما يعكس حجم التحدي المتعلق بالحماية الاجتماعية وحقوق العمل الأساسية.
النساء وسوق العمل: مشاركة محدودة وكلفة اقتصادية مرتفعةلا يكتمل تحليل سوق العمل العربي دون التوقف عند مشاركة النساء.
فرغم ارتفاع مستويات التعليم في العديد من الدول، لا تزال نسب مشاركة النساء في سوق العمل متدنية مقارنة بالرجال.
وتعود هذه الفجوة إلى عوامل متعددة، من بينها البنية الاقتصادية، وضعف سياسات رعاية الأطفال، ونقص وسائل النقل، والفجوات في الأجور، إلى جانب الأعراف الاجتماعية وتوزيع الأدوار داخل الأسرة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن ضعف إدماج النساء في سوق العمل يكلف الاقتصادات العربية مئات المليارات من الدولارات سنويًا، ما يعكس أن المسألة ليست اجتماعية فقط، بل اقتصادية أيضًا.
كما يطرح ذلك سؤالًا أوسع عن تعريف العمل نفسه، وما إذا كان يشمل العمل المنزلي غير المدفوع الذي تتحمله النساء في رعاية الأطفال وكبار السن وإدارة شؤون الأسرة.
الحروب والعمل: حين يُمحى مكان الرزقفي فلسطين ولبنان والسودان وسوريا واليمن، لا ينفصل الحديث عن العمل عن آثار النزاعات المسلحة.
فالحرب لا تقتصر على فقدان الوظيفة، بل تمتد إلى تدمير أماكن العمل ذاتها: المصانع، الورش، المدارس، المستشفيات، الموانئ، والمزارع.
وفي ظل النزوح، يبدأ العامل من نقطة الصفر، حتى وإن كان يمتلك خبرة طويلة أو مهارة مهنية، إذ لا تعترف الأسواق الجديدة دائمًا بسيرته السابقة، بينما تعيق الأزمات الاقتصادية وتدمير البنى التحتية فرص إعادة الإدماج في سوق العمل.
أجور تحت الضغط ومعنى متغير للعمل اللائقحتى العاملون ضمن وظائف مستقرة لا يملكون بالضرورة إحساسًا بالأمان.
فارتفاع تكاليف المعيشة في عدد من الدول العربية جعل الأجور أقل قدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية مثل السكن والغذاء والتعليم والصحة.
وهكذا تتحول الأسئلة من مجرد" هل هناك وظيفة؟ " إلى" هل تكفي هذه الوظيفة؟ ”، و“هل توفر حماية اجتماعية؟ "، و" هل تمنح العامل حقه في المرض والراحة والتقاعد؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك