ضرب وقتل وتدمير للكنائس واعتداءات على الرموز الدينية.
هكذا يبدوا المشهد في فلسطين ولبنان على حد سواء فيما يتعلق بالمجتمع المسيحي الذي لم يسلم من بطش إسرائيل، حكومة وجيشًا ومستوطنين.
فالواقع يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك زيف الادعاءات الإسرائيلة حول حماية المسيحيين، بل إن الصور ومقاطع الفيديو التي يتم نشرها بين الحين والآخر، توثِّق الاعتداءات الإسرائيلية، فيما تكذِّب الأرض رواية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لطالما ادعى زورًا أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي توفر الحماية للمسيحيين.
ما يتم تداوله من صور وفيديوهات للاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين ورموزهم ومقدراتهم، على كثرتها، إلا أنها قليلة جدًّا بالنظر إلى حجم الاعتداءات التي تحدث من دون أن يتم توثيقها، لكن الأرض تظل شاهدة على ما يجري من الاعتداءات التي حتى لو لم توثِّقها الكاميرات، فقد وثَّقها وسطرها التاريخ.
اداعاءات إسرائيلية.
وتغافُل غربيبالرغم من حساسية المسألة بالنسبة للدول الغربية، التي لطالما ادَّعت دعمها للمسيحيين، إلا أن التجاهل بل التغافُل صار سيد الموقف الغربي من جملة ما يتعرض إليه المسيحيون من اعتداءات، بما يؤكِّد أن هذه الاعتداءات إنما هي اعتداءات ممنهجة تحدث بمباركة غربية، وليست وقائع فردية أو عمليات عشوائية أو غير مقصودة.
إسرائيليًّا، يدَّعي نتنياهو حماية المجتمع المسيحي، فيقول إن «دولة واحدة تحمي المجتمع المسيحي، وهذه الدولة هي إسرائيل، لا توجد دولة أخرى».
ويزيد نتنياهو على ذلك بالقول إن «الإرهابيين الفلسطينيين هم مَن يقتلون المسيحيين».
فمن على منبر الأمم المتحدة، يقف نتنياهو ليقول للعالم بأسره إن «الإرهابيين الفلسطينيين ليسوا قتلة اليهود فقط، بل قتلة المسيحيين»، متغافلًا هذا الكم من الجرائم الإسرائيلية التي تُرتَكَب بحق المسيحيين تمامًا مثلما تُرتَكَب بحق المسلمين، على مرأى ومسمع الجميع.
الاعتداء على راهبة مسيحية بالقدسالواقع يشهد بالكثير من الأمور التي تثبت زيف ادعاءات نتنياهو.
فعلى مدار الفترة القليلة الماضية، تم توثيق جملة من الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في فلسطين، لعل أبرزها اعتداء أحد المستوطنين الإسرائيليين على راهبة مسيحية في القدس.
فقد وثَّقت كاميرا للمراقبة قيام أحد المستوطنين بدفع راهبة كانت تسير في أحد شوارع مدينة القدس المحتلة، نحو حجر، وما إن سقطت الراهبة أرضًا حتى انهال عليها المعتدي بالضرب والركل.
الحادثة التي وقعت على مقربة مما يُعرف بـ«قبر داوود» المجاور للبلدة القديمة، ربما كانت لتنهي حياة الراهبة، لولا تدخُّل أحد المارة الذي نجح في التصدي للمستوطن ووقف ركلاته وضرباته الموجَّهة إلى الراهبة.
ومع انتشار الواقعة وتداولها على نطاق واسع عالميًّا، اتضح أن الراهبة فرنسة الجنسية، وعليه طالبت القنصلية الفرنسية بمحاسبة الفاعل، ثم في وقت لاحق نشرت الشرطة الإسرائيلية مقطع فيديو قالت إنه يظهر اعتقال المعتدي.
إسرائيلي يبصق عند مدخل كاتدرائية بالقدسوأمس السبت، وثَّقت كاميرات المراقبة في مدينة القدس المحتلة قيام مستوطن إسرائيلي بالبصق مرات عدة على باب كاتدرائية القديس يعقوب للأرمن، الواقعة في الحي الأرمني بالبلدة القديمة، والتي تعد إحدى أقدم وأقدس الكنائس الأرمنية.
كما حدَّق المستوطن الإسرائيلي في كاميرات المراقبة، ورفع إصبعه الأوسط بتحدٍّ، في واحد من أشد مشاهد الكراهية والعنف ضد المسيحيين وقاحة.
منع شعائر سبت النور بكنيسة القيامةفي 11 أبريل/ نيسان المنصرم، وبينما كان من المفترض أن يحيي المسيحيون شعائر سبت النور بكنيسة القيامة، إلا أن قوات الاحتلال حالت دون ذلك.
فقد أغلقت قوات الاحتلال الطرق المؤدية إلى كنيسة القيامة، ومنعت المصلين المسيحيين من الوصول لإحياء شعائر سبت النور.
وقال التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة بفلسطين، إنه «في مشهد ميداني خانق عند مداخل البلدة القديمة، أغلقت قوات الاحتلال الطرق المؤدية إلى كنيسة القيامة، ومنعت المصلين الفلسطينيين والحجاج الأجانب من الوصول لإحياء شعائر سبت النور، ما أدى إلى تكدُّس آلاف الفلسطينيين خلف الحواجز العسكرية الإسرائيلية».
وقال رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني، إن هذا الإجراء الإسرائيلي القمعي والعنصري، المتمثل في منع الوصول إلى كنيسة القيامة في سبت النور، يستهدف الوجود الفلسطيني عمومًا، والمسيحي منه على وجه الخصوص، في عمقه التاريخي، وتراثه الحي، وبعده الإيماني، ويمس حقًّا راسخًا في ممارسة الشعائر الدينية، حافظ عليه الفلسطينيون عبر قرون من الثبات في هذه المدينة.
وأشار دلياني إلى أن هذا الإجراء الإسرائيلي جاء بالرغم من النداء الصريح الذي أصدرته بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، والذي شدَّد على حق المؤمنين في الوصول إلى كنيسة القيامة في جميع الأوقات، لا سيما خلال أسبوع الآلام وسبت النور والأعياد.
وأكد دلياني أن «دولة الإبادة الإسرائيلية» تمارس اضطهادًا دينيًّا فعليًّا يستهدف كل فلسطيني، مسلمًا كان أم مسيحيًّا، باعتباره أداة للهيمنة الاستعمارية وإعادة تشكيل هوية مدينة القدس، مشدِّدًا على أن هذا السلوك العدواني لن ينتزع الحضور المسيحي والإسلامي الفلسطيني المتجذِّر في هذه الأرض.
وإلى جانب التضييق الأمني الإسرائيلي يومها، وثَّقت الكاميرات لحظة اعتداء جنود إسرائيليين على أحد المسيحيين، حتى سقط الصليب الذي كان بين يديه على الأرض من شدة الاعتداء.
منع بطريرك القدس للاتين من دخول كنيسة القيامةوفي أواخر مارس/ آذار الماضي، منعت قوات الاحتلال بطريرك القدس للاتين من دخول كنيسة القيامة.
وقالت البطريركية اللاتينية في القدس إن الشرطة الإسرائيلية منعت الكردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، من إحياء ذكرى أحد الشعانين في كنيسة القيامة «للمرة الأولى منذ قرون»، فيما عزت الشرطة هذا الإجراء إلى مخاوف أمنية مرتبطة بالحرب مع إيران.
وأضافت البطريركية أن أفراد الشرطة أوقفوا الكردينال بييرباتيستا والراهب الأب فرانشيسكو يلبو في أثناء سيرهما إلى الكنيسة.
وقالت البطريركية في البيان: «نتيجة لذلك، ولأول مرة منذ قرون، مُنع رؤساء الكنيسة من الاحتفال بقداس أحد الشعانين في كنيسة القيامة».
فيما حاول نتنياهو تبرير ما حدث بالادعاء أنه «لا نية سيئة» في منع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من دخول كنيسة القيامة في القدس، لإقامة قداس أحد الشعانين، وأن القرار جاء حرصًا على سلامته وسلامة مرافقيه من أن يطالهم أي أذى بسبب الضربات الإيرانية، على حد زعمه.
هدم دير ومدرسة راهبات في لبنانوإذا ما انتقلنا من فلسطين إلى لبنان، فإن الواقع لا يختلف كثيرًا، إذ تتزايد الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات والمنشآت المسيحية.
ففي بلدة يارون، جنوبي البلاد، قبل يومين، وتحديدًا في الأول من مايو/ أيار 2026، أقدمت جرافة إسرائيلية على هدم دير ومدرسة للراهبات.
حينها، ذكرت والوكالة الوطنية للإعلام، التابعة لوزارة الإعلام اللبنانية، أن «جيش العدو الإسرائيلي ينفِّذ عملية هدم لدير ومدرسة راهبات المخلّصيات في بلدة يارون، وذلك بعد سلسلة عمليات نسف وتفجير طالت منازل ومحال وطرقات ومعالم مختلفة في البلدة».
وأوضحت أن «هذه المدرسة كانت تُعدّ من أبرز المؤسسات التربوية في المنطقة، إذ خرَّجت على مدى سنوات آلاف الطلاب من مختلف بلدات قضاء بنت جبيل، ما يجعل استهدافها خسارة كبيرة على المستويين التربوي والاجتماعي».
هذا الاعتداء تم توثيقه أيضًا من خلال مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع، تظهر خلاله الجرافة الإسرائيلية وقد شرعت في عملية هدم الدير والمدرسة.
وبالرغم من ذلك، لم تعتذر إسرائيل عن فعلتها، بما يؤكد يقينًا أن هدم الدير ومدرسة الراهبات لم تكن عملية عشوائية، وإنما كانت عملية ممنهجة ومدروسة بشكل مسبق.
جندي إسرائيلي يحطم تمثالًا للمسيحوفي 19 أبريل/ نيسان المنصرم، أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بأن جنديًّا في الجيش الإسرائيلي، حطَّم تمثالًا للسيد المسيح في بلدة دير سريان، جنوبي لبنان.
وقالت هآرتس إن الجندي الإسرائيلي تم تصويره وهو يُحطِّم تمثالًا للسيد المسيح في قرية دير سيريان، قرب نهر الليطاني، جنوبي لبنان.
وأظهرت لقطات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي الجندي وهو يُلوِّح بمطرقة ثقيلة على رأس التمثال، الذي كان مقلوبًا على عمود، مما أثار ردود فعل غاضبة، إذ انهالت الاتهامات على الجيش الإسرائيلي بالإساءة إلى الرموز الدينية.
واعترف الجيش الإسرائيلي بصحة الواقعة التي أثارت ردود فعل غاضبة.
وكتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، عبر حسابها على موقع إكس: «بعد استكمال فحص أولي بشأن توثيق تم تداوله في وقت سابق اليوم يظهر جنديًّا من الجيش الإسرائيلي وهو يقدم على المساس برمز مسيحي، تبيَّن أن الحديث يدور عن توثيق حقيقي لجندي في الجيش عمل في منطقة جنوب لبنان».
وأضافت: «ينظر الجيش الإسرائيلي إلى هذا الحادث بخطورة بالغة، ويؤكد أن سلوك الجندي يتعارض بشكل تام مع القيم المتوقعة من جنوده».
ماذا تريد إسرائيل من المسيحيين؟أمام جل هذه الاعتداءات، تبرز تساؤلات مهمة للغاية: ماذا تريد إسرائيل من المسيحيين؟ وما هو السبب الحقيقي وراء هذه الاعتداءات؟ وما هي أسباب تهجير المسيحيين من أراضيهم؟من على منبر الأمم المتحدة، وقف نتنياهو ليقول إنه يحمي المسيحيين، وإن بيت لحم، مسقط رأس السيد المسيح، عندما كانت تحت السيطرة الإسرائيلية كان 80% من سكانها مسيحيون، لكن منذ أن تولت السلطة الفلسطينية السيطرة عليها انخفضت هذه النسبة إلى أقل من 20%، على حد مزاعمه.
لكن وخلافًا لما يدَّعية نتنياهو، فإن الأسباب الحقيقية لتهجير المسيحيين من بيت لحم، تشمل تقييد حركتهم والتضييق عليهم عبر 150 حاجزًا وبواية تحيط بالمدينة.
وعلى الصعيد الفلسطيني ككل، قالت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في القدس إنه في فلسطين قبل عام 1948 كان المسيحيون الفلسطينيون يشكلون 12.
5% من سكان فلسطين التاريخية (الضفة الغربية بما فيها القدس، غزة، وإسرائيل)، أما حاليًّا فقد انخفضت هذه النسبة لتصبح 1.
2% فقط في فلسطين التاريخية، و1% في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وعزت اللجنة هذا التراجع إلى جملة من الأسباب، من بينها: المجازر الإسرائيلية والتطهير العرقي الذي يُرتَكَب بحق المسيحيين، والتهجير القسري الذي رافق النكبة من خلال تهجير حوالي 90 ألف مسيحي، فضلًا عن استمرار سياسات الاحتلال ومصادرة الأراضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك