منبر نور مقالات من بطون كتب: من “سؤال الفكرة” إلى “صدمة الواقع”في المقال الأول من هذه السلسلة، طرحنا سؤالًا تأسيسيًا:لماذا وُلدت الشركات الاستشارية أصلًا؟وأثبتنا – استنادًا إلى فكر بيتر دراكر في كتابه The Practice of Management – أن تعقيد الحياة الاقتصادية الحديثة فرض الانتقال من “عقل الفرد” إلى “عقل المؤسسة”.
لم يعد القرار الإداري مجرد خبرة شخصية، بل أصبح علمًا قائمًا على جمع المعارف وتنسيقها داخل منظومة واحدة.
ثم انتقلنا في المقال الثاني إلى سؤال أكثر حساسية:لماذا تنجح الاستشارة في الغرب… وتتعثر في العالم الثالث؟وهنا استندنا إلى أطروحة دارون عجم أوغلو في كتاب Why Nations Fail، التي تؤكد أن الفارق بين الدول ليس في الموارد، بل في قوة المؤسسات وقدرتها على توظيف المعرفة في صنع القرار.
لكن، بعد هذين التأصيلين، يبقى السؤال الأكثر إهميه، لأنه يلامس الواقع مباشرة:هنا نغادر التنظير إلى الميدان.
وهنا تظهر الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا:المشروعات في عالمنا لا تفشل بسبب نقص الدراسات… بل بسبب تجاهلها.
إننا لا نعاني من غياب بيوت الخبرة بقدر ما نعاني من:وهذا ما يجعل الفجوة بين العالم الأول والعالم الثالث ليست فجوة “معرفة”، بل فجوة في احترام المعرفة.
حين يخطئ العقل قبل المشروعتشير أبحاث دانيال كانيمان في Thinking, Fast and Slow إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى:وفي بيئة المشروعات الكبرى، تتحول هذه النزعات إلى مخاطر جسيمة:الثقة المفرطة في التقديراتتجاهل السيناريوهات البديلةوهنا تظهر أهمية الشركات الاستشارية،لا كمصدر معلومات فقط، بل كآلية:لتصحيح انحيازات العقل البشري قبل أن تتحول إلى خسائر اقتصاديةمن النظرية إلى الواقع: كيف تبدأ الكارثة؟الخلل لا يبدأ عند التنفيذ،بل عند أول خطوة في التفكير.
وغالبًا ما يسير المسار الخاطئ بهذا الشكل:ثم… البحث عن دراسة تدعم القرارفي هذه اللحظة، تكون الاستشارة قد فقدت دورها الحقيقي.
نماذج الفشل حين يغيب التكامل الاستشاريمشروعات البنية التحتية المتعثرة في إفريقيافي عدد كبير من الدول الإفريقية، تبدأ مشروعات ضخمة في:لا تصل إلى الإغلاق الماليغياب تقدير المخاطر اللوجستيةمشروعات المساعدات الدولية (المدارس والآبار)بل بقدرته على العمل والاستمرارمن خلال هذه النماذج، يتضح أن المشكلة ليست في:انفصال التخصصات عن بعضها البعضوهنا يتحول التخصص – الذي هو في الأصل قوة –دور الشركات الاستشارية: من تجميع المعرفة إلى صناعة القرارالشركة الاستشارية الناجحة لا تكتفي بتقديم تقريرربط التخصصات داخل رؤية واحدةتحويل البيانات إلى قراراتبناء نموذج مشروع قابل للحياةوهذا ما جعل شركات مثل McKinsey & Company وBoston Consulting Groupالتأصيل الفكري (المقال الأول)المقارنة المؤسسية (المقال الثاني)والواقع الميداني (هذا المقال)يمكننا أن نصل إلى نتيجة حاسمة:المشكلة في عالمنا ليست نقص العقول… بل غياب العقل الجامع.
في المقال القادم، بإذن الله سننتقل من هذا الإطار التحليلي إلى:تحليل أسباب تجاهل الاستشارةاستخلاص قواعد عملية لتفادي الفشللنصل في النهاية إلى سؤال عملي:كيف نحول بيوت الخبرة من “تقارير على الرف” إلى “قوة تقود التنمية”؟متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك