تتأثر الأسواق في محافظة إدلب، ولا سيما في مدينة معرة النعمان وريفها، بشكل متفاوت بقرار منع استيراد عدد من الخضراوات والمنتجات الغذائية، الذي صدر عن اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في سوريا، بهدف حماية المنتج المحلي وتنظيم الأسواق.
غير أن هذا التأثر لا يرتبط بالقرار وحده، إذ تتداخل معه عوامل أخرى تفرضها الظروف الراهنة، من عودة آلاف الأهالي إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الإنتاج الزراعي، وغياب المساحات المزروعة أو تضررها، وصولاً إلى تداعيات الأحوال الجوية الأخيرة التي أثّرت على المحاصيل.
وفي ظل هذا الواقع، ينعكس تغيّر الأسعار في الأسواق المحلية بصورة مباشرة على الأهالي، وسط تفاوت في تفسير أسبابه بين من يربطه بالقرار، ومن يعيده إلى اختلالات أوسع في العرض والطلب.
الأسعار تضاعفت والمعيشة تزداد صعوبةقال أبو محمد قشيط، وهو مدني من معرة النعمان، لموقع تلفزيون سوريا إن قرار منع استيراد الخضروات انعكس بشكل مباشر على قدرته في تأمين احتياجات أسرته اليومية، موضحاً أن يوميته التي تبلغ نحو 10 دولارات لا تكفي لتغطية كلفة المعيشة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، حيث باتت كلفة الوجبة الواحدة تتراوح بين 20 و30 دولار في حين ارتفع سعر كيلو البندورة إلى 70 ليرة والكوسا إلى 40 ليرة، وهي من أرخص المواد المتوفرة في السوق.
وأضاف أن هذا الارتفاع لا يقتصر على الخضروات، بل يشمل مختلف المواد الغذائية، إذ يصل سعر عبوة الزيت إلى نحو 100 ليرة تركية، وكيلو الأرز إلى 70 ليرة، مشيراً إلى أن هذه الزيادات تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود، خاصة في ظل ثبات الأجور ووجود التزامات أخرى كأجور السكن وكلفة الطاقة.
بدوره، أوضح أبو علي اليوسف، وهو أحد الأهالي العائدين إلى معرة النعمان، لموقع تلفزيون سوريا، أن الأسعار كانت قبل القرار مقبولة نسبياً، إلا أنها شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بعد صدوره لأسباب تتعلق بتلف المحاصيل الزراعية بفعل العواصف الأخيرة وأخرى تتعلق بخروج مساحات واسعة من الأراضي في ريف إدلب الجنوبي عن الخدمة نتيجة قلع أشجارها المثمرة، موضحاً أن سعر كيلو البندورة ارتفع من 20 ليرة إلى 70، في حين ارتفع سعر البطاطا من نحو 9–13 ليرة إلى 25–30 ليرة تركية، ما يعني تضاعف الأسعار بشكل واضح.
وأشار إلى أن دخله اليومي، رغم ساعات العمل الطويلة التي تمتد من الصباح حتى المساء، لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته، لافتاً إلى أنه يعيل خمسة أطفال، في وقت لم تعد فيه هذه المداخيل تغطي حتى كلفة وجبة يومية، مطالباً بإعادة النظر في القرار بما يخفف من الأعباء المعيشية على الأهالي.
استمرار الضغط المعيشي مع ارتفاع الأسعاروفي السياق، أوضح كرمو أبو حمدو، وهو بائع خضروات في معرة النعمان، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن أسعار الخضروات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مؤكداً أن هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على حركة البيع، التي باتت أضعف من السابق، قد تُعزى لسبب منع الاستيراد وسط هذه الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة.
وبيّن أن عمله على بسطة خضار أصبح أكثر صعوبة، في ظل تلف جزء من البضاعة يومياً، ما يؤدي إلى خسائر إضافية، مشيراً إلى أن كلفة شراء احتياجات أسرة صغيرة من الخضروات ليوم واحد قد تصل إلى نحو 200 ليرة.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها تضرر الأراضي الزراعية بسبب الأحوال الجوية، إضافة إلى قرار منع الاستيراد، الذي أسهم في تقليص المعروض في الأسواق.
بين أهداف القرار وضعف القدرة الإنتاجيةأوضح موسى الموسى وهو مزارع من ريف المعرة الشرقي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن ارتفاع أسعار الخضراوات والمواد الغذائية لا يرتبط بشكل مباشر بقرار منع الاستيراد وحده، إلا أن هذا القرار يسهم في التأثير على السوق في ظل الظروف الحالية.
وبيّن أن قرار منع استيراد الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية يهدف في جوهره إلى دعم المنتج المحلي والزراعة المحلية، واصفاً إياه بأنه" قرار مهم من حيث المبدأ"، لكنه أشار في المقابل إلى أن تطبيقه في مناطق خرجت حديثاً من الحرب يطرح إشكاليات واقعية تتعلق بقدرة هذه المناطق على الإنتاج.
ولفت إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ريف إدلب الجنوبي، بما في ذلك معرة النعمان وسراقب وقرى جبل الزاوية، لا تزال خارج الخدمة الزراعية نتيجة القصف وقلع الأشجار خلال السنوات الماضية، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمحاصيل من جراء العواصف المطرية الأخيرة.
وأشار إلى أن هذه العوامل مجتمعة انعكست بشكل مباشر على العرض في الأسواق، ما يفسر جزءاً من ارتفاع الأسعار، معتبراً أن القرار كان يحتاج إلى دراسة أوسع لواقع السوق، أو إلى تطبيق تدريجي يراعي خصوصية المناطق المتضررة.
وأضاف أن غياب القدرة على استثمار الأراضي الزراعية، سواء بسبب تدمير المنازل أو استمرار وجود بعض الأهالي في المخيمات، يطرح تساؤلات حول جدوى دعم القطاع الزراعي عبر تقييد الاستيراد في هذه المرحلة، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مباشر.
وأكد أن أي سياسة اقتصادية في هذه المرحلة يجب أن تراعي واقع العائدين إلى مناطقهم، وظروفهم المعيشية الصعبة، بما يحقق توازناً بين دعم الإنتاج المحلي وحماية القدرة الشرائية للسكان.
الحكومة: لا ارتفاع ملحوظ في الأسعار ومراقبة مستمرة للأسواقفي المقابل، تقدّم الجهات الرسمية قراءة مختلفة لواقع الأسواق، إذ ترى أن الأسعار لم تشهد ارتفاعات غير اعتيادية مرتبطة بقرار منع الاستيراد.
وتؤكد استمرار الرقابة على الأسواق، مع الإشارة إلى أن عوامل أخرى، كالأحوال الجوية، تلعب دوراً في تحديد مستويات الأسعار.
أوضح مدير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب، ضياء العلي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن قرار منع الاستيراد لم يصدر عن المديرية، وإنما عن لجنة مستقلة في الشمال السوري تضم ممثلين عن عدة وزارات وجهات معنية، وهي الجهة التي اتخذت هذا القرار بناءً على معطياتها الخاصة.
وأكد أن المديرية لم تسجّل ارتفاعات ملحوظة ناتجة عن القرار، مشيراً إلى أن الأسعار تشهد حالة من الانخفاض النسبي، وأن الظروف المناخية كان لها دور مؤثر في تحديد مستويات الأسعار خلال الفترة الحالية.
وبيّن أن دوريات حماية المستهلك تتابع واقع الأسواق بشكل يومي، وتعمل على ضبط المخالفات ومنع أي حالات احتكار أو استغلال، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وأضاف أن المديرية تسعى إلى تحقيق التوازن بين دعم المنتج المحلي وحماية المستهلك، من خلال مراقبة الأسعار والتدخل عند الضرورة، بما يضمن عدم تأثر القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار إلى أن مراجعة القرار أو تعديله تبقى من اختصاص الجهة التي أصدرته، لافتاً إلى أن تقييمه يتم وفق تطورات السوق والإنتاج، في ظل التحديات المرتبطة بالأحوال المناخية وتضرر بعض المحاصيل.
وفي ظل تباين الآراء بين الأهالي والجهات الرسمية حول أسباب ارتفاع الأسعار، يبقى واقع الأسواق في ريف إدلب الجنوبي مرهوناً بجملة من العوامل المتداخلة، من بينها القرار الأخير، وظروف الإنتاج الزراعي، والتقلبات المناخية.
وبين هدف دعم المنتج المحلي من جهة، وضغط كلفة المعيشة على الأهالي من جهة أخرى، يظل التحدي قائماً في تحقيق توازن يراعي واقع المرحلة، ويحدّ من الأعباء المتزايدة على السكان، خاصة في مناطق تشهد عودة تدريجية للسكان بعد سنوات من النزوح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك