ثقافة نعم.
ما الذي تحدثه في المؤسسات (1)تعتبر بيئة العمل التي تسود فيها ثقافة «نعم سيدي» واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة؛ فهي ليست مجرد مظهر من مظاهر الاحترام أو الولاء المغشوشة، بل هي صمت تنظيمي مقنّع يغتال الإبداع ويحجب الرؤية عن القادة.
في بيئة يسودها التصفيق والتوافق المستمر وتغيب فيها المساءلة، يتحول القائد إلى سجين لمعلوماته الخاصة، وتتحول المؤسسة إلى هيكل هش ينهار عند أول منعطف حقيقي يتطلب التفكير النقدي.
تكمن معضلة هذه الثقافة في أنها تخلق وهماً بالانسجام، بينما الحقيقة هي حالة من الجمود الفكري والخوف من طرح التساؤلات المشروعة.
عندما يخشى الأفراد مناقشة القرارات أو تقديم وجهات نظر مغايرة، فإننا لا نفقد الأفكار المبتكرة فحسب، بل نفقد أيضاً صمامات الأمان التي تحمي المنظمة من القرارات الكارثية.
في هذا المقال، سنقوم بتفكيك هذه الظاهرة من جذورها، باحثين في سيكولوجية التبعية العمياء، لننتقل بعدها إلى طرح البدائل العملية والحلول التي تستبدل «الطاعة السلبية» بـ «المشاركة الفعالة».
سنستعرض كيف يمكن للقائد الذكي أن يبني ثقافة «الأمان النفسي» التي تشجع على النقد البنّاء، وكيف يمكن للمؤسسات أن تتحول من نماذج القيادة المركزية الصارمة إلى نماذج مرنة تحتفي بالاختلاف وتعتبره الوقود الحقيقي للتطور والاستدامة.
بداية، ما هي علامات أو المؤشرات التي تؤكد على وجود هذه الثقافة في بيئة العمل؟ أولى هذه المظاهر هو غياب الأسئلة الصعبة في الاجتماعات والمناقشات: إذا كُنت تعرض فكرة أو خطة عمل، وتنتهي الجلسة دون أي استفسار حول المخاطر، أو التحديات، أو طلب توضيح للتفاصيل اللوجستية، فهذا مؤشر خطر.
ينبغي للقائد الفعّال أن يشعر بالقلق عندما يوافق الجميع فوراً؛ لأن ذلك يعني إما أن الفريق لا يحلل ما يسمع، أو أنه يخشى الاعتراض ويتحاشى النقاش الفعّال أو البحث عن الحلول الحقيقية مكتفياً فقط بالموافقة الصامتة.
والمظهر الثاني هو مفاجآت الدقيقة الأخيرة: عندما يكتشف القائد وجود أخطاء كارثية أو تأخيرات غير متوقعة في مراحل المشروع النهائية، فهذا دليل على أن الفريق كان يرى الخلل في بدايته ولكنه آثر السكوت وعدم النقاش، بل أضاف نوعاً من الطمأنينة بقوله «كل شيء تحت السيطرة» خوفاً من رد فعل القائد أو مقدماً الرغبة في إرضاء القائد على مصلحة العمل.
ومن المظاهر البارزة، ترديد عبارة «القرار لك»: إذا بدأ الموظفون في استخدام عبارات أو كلمات مثل «الرأي رأيك» أو «اللي تشوفه» بدلاً من تقديم مقترحات بديلة ومناقشة الفرص والمخاطر، فهذا يعني أنهم استقالوا ذهنياً من التفكير الإبداعي وتحولوا إلى منفذين فقط.
وأخيراً، التناقض السلوكي أمام القيادة وفي الكواليس: وهي نتيجة طبيعية للبيئة السائدة.
إذا ساد الصمت والموافقة داخل قاعة الاجتماعات، وإظهار الرضا أثناء المناقشات ثم بدأت الهمسات والاعتراضات في الممرات أو عبر المحادثات الجانبية، خلال فترات الاستراحات أو في الغرف المغلقة فهذا يؤكد وجود ثقافة نعم قاسية تجعل الموظف يخشى الظهور كعنصر مؤثر أو صوت للعقل والحكمة أمام القائد.
ما هو تأثير هذه الثقافة على المنظمات وفرق العمل؟ هذه الثقافة المريحة للقائد، تحمل في طياتها مجموعة مخاطر يجب الانتباه لها: بداية، يحدث توقف تدريجي للابتكار ويسود الجمود، حيث إن الابتكار «ابن الاختلاف».
وغياب الصوت الآخر يعني تكرار نفس الحلول القديمة لمشكلات جديدة، مما يجعل المؤسسة هشة أمام التغيرات المتسارعة، حيث لا يملك الفريق مرونة ذهنية للتكيف والتعامل مع المتغيرات والتحديات حيث اعتاد على الركون والسعة.
ثم يبدأ انخفاض مستوى الأمان النفسي.
وهذا يقودنا إلى سؤال أخطر، أين ستذهب العقول المبدعة؟ تبدأ العقول المبدعة في التسرب والخروج من المنظمة.
العقول التي تميل للنقد البنّاء لا تستطيع العيش في بيئات الصمت؛ لذا ستغادر الكفاءات التي تمتلك رؤية مستقلة، ليبقى فقط المرددون الذين لا يضيفون أي قيمة حقيقية للمنظمة وتبقى المنظمة في انتظار الانهيار في أي لحظة.
@hussainhalsayed.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك