لم تعد الحرب في اليمن تقتصر على جبهات القتال، بل امتدت لتطال العاملين في المجالين الإنساني والتنموي، ممن حاولوا إبقاء الحد الأدنى من الحياة والخدمات قائماً وسط ظروف الحرب والانهيار.
ويكشف تقرير يوثق الانتهاكات المرتكبة بحق موظفي المنظمات الدولية والمحلية والعاملين في الإغاثة والتنمية خلال الفترة من 2015 حتى 2025، عن تسجيل أكثر من 124 حادثة معلنة، أسفرت عن سقوط أكثر من 245 ضحية بين قتيل وجريح ومختطف ومحتجز.
ويشير التقرير إلى أن السنوات الأولى من الحرب شهدت تركزاً للانتهاكات ذات الطابع الميداني، كالقصف وإطلاق النار والكمائن، قبل أن يتحول المشهد في الأعوام الأخيرة نحو الاعتقالات والاحتجازات الواسعة، التي أصبحت النمط الأكثر حضوراً، خصوصاً خلال عامي 2024 و2025.
وتصدرت حوادث الاحتجاز والاختطاف قائمة الانتهاكات، إذ بلغ عدد الضحايا فيها 128 شخصاً، شملت مداهمات للمكاتب والمنازل وعمليات توقيف عند نقاط التفتيش، إلى جانب حالات وفاة تحت التعذيب داخل المعتقلات.
كما وثق التقرير اختطاف 34 من العاملين في الإغاثة والتنمية أثناء تنقلهم بين المحافظات أو من مركباتهم، بينما أصيب 29 آخرون جراء قصف استهدف قوافل إغاثية ومنازل عاملين في المجال الإنساني.
وسجلت البيانات تعر11 عاماً من الاستهداف.
245 ضحية بين عمال الإغاثة والتنمية في اليمنض 26 عاملاً لإطلاق نار مباشر أو القنص خلال أداء المهام الميدانية أو أثناء مرورهم في مناطق اشتباكات وكمائن مسلحة، فيما أصيب 18 آخرون نتيجة انفجارات ألغام وقذائف عشوائية، بينها الهجوم الذي استهدف مطار عدن في أواخر عام 2020.
أما الاعتداءات الجسدية المباشرة، فقد شملت 10 حالات، تضمنت الضرب والطعن في مواقع توزيع المساعدات.
ويظهر التسلسل الزمني للحوادث تصاعداً ملحوظاً في حجم الانتهاكات، حيث سجل عام 2025 وحده 101 ضحية، مقارنة بـ27 ضحية في 2024، في أعلى حصيلة سنوية خلال فترة الرصد الممتدة على مدى 11 عاماً.
وبحسب البيانات، جاءت حصيلة الضحايا السنوية على النحو الآتي: 17 ضحية في 2015، و13 في 2016، و17 في 2017، و8 في 2018، و20 في 2019، و13 في 2020، و9 في 2021، و11 في 2022، و9 في 2023، و27 في 2024، ثم 101 في 2025.
وتوضح الأرقام أن الغالبية الساحقة من الضحايا هم من العاملين المحليين، في حين تركزت حالات الاختطاف على الموظفين الدوليين في سياقات مرتبطة بالمقايضة والضغط السياسي.
صنعاء في صدارة الانتهاكاتجغرافياً، تصدرت صنعاء قائمة المحافظات الأكثر تسجيلاً للحوادث، بواقع 42 حادثة أسفرت عن نحو 98 ضحية، ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى حملات الاعتقال الواسعة التي شهدتها العاصمة خلال عامي 2024 و2025.
وجاءت الحديدة في المرتبة الثانية بـ13 حادثة و25 ضحية، تلتها تعز بـ15 حادثة و21 ضحية، ثم عدن بـ7 حوادث خلفت 14 ضحية.
كما سجلت صعدة ولحج 18 حادثة أوقعت 28 ضحية، فيما شهدت حجة 6 حوادث و13 ضحية، وإب 3 حوادث و9 ضحايا، وعمران 6 حوادث و9 ضحايا، ومأرب 6 حوادث خلفت 7 ضحايا، والضالع 4 حوادث أوقعت 6 ضحايا.
وفي أبين سُجلت حادثة واحدة أسفرت عن 5 ضحايا، وفي حضرموت حادثة واحدة خلفت ضحيتين، بينما شهدت كل من الجوف وذمار حادثة واحدة وضحية واحدة لكل محافظة.
وتظهر القراءة المكانية أن محافظات النزاع المفتوح مثل تعز والحديدة وصعدة ارتبطت بانتهاكات القصف والاغتيالات، في حين برزت أنماط الاختطاف في محافظات لحج وأبين وحضرموت نتيجة الهشاشة الأمنية.
ووفقاً للبيانات، نُسبت 57 حادثة من أصل 124 واقعة إلى الحوثيين، بينها 14 حادثة خلال 2024 و32 حادثة خلال 2025، ما يجعلها الجهة الأكثر ارتباطاً بالانتهاكات خلال السنوات الأخيرة.
كما سُجلت 54 حادثة ارتكبها مسلحون مجهولون أو جهات غير محددة في مناطق الحكومة اليمنية، وتركزت هذه الحوادث خلال الفترة بين 2015 و2023، وشملت القنص، وإطلاق النار العشوائي، والاغتيالات، والاختطاف للمقايضة.
في المقابل، سُجلت حادثة واحدة نسبت إلى تنظيم القاعدة، تمثلت في اختطاف خمسة من موظفي الأمم المتحدة في محافظة أبين عام 2022، إضافة إلى 12 واقعة نسبت إلى أطراف محلية وإقليمية متعددة.
من بين أبرز الحوادث التي أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه القطاع الإنساني، اغتيال وسام قائد في 3 مايو 2026، بعد تعرضه لتهديدات سابقة.
وكان يدير واحدة من أكبر المحافظ التمويلية المخصصة للمشاريع التنموية في اليمن، وأثار اغتياله مخاوف واسعة بشأن مستقبل التمويل الدولي.
وفي فبراير 2025، توفي أحمد عبدالخالق باعلوي داخل أحد المعتقلات بعد أسابيع من احتجازه، في حادثة أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الإنسانية.
كما اغتيل مؤيد حميدي، مدير برنامج الغذاء العالمي في تعز، في يوليو 2023 أثناء خروجه من أحد مطاعم مدينة التربة، في حادثة قوبلت بإدانات عربية ودولية واسعة.
ويعكس هذا المسار المتصاعد أن العمل الإنساني في اليمن بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى، في ظل تداخل الصراع السياسي والأمني مع نشاط الإغاثة، وتحول العاملين في هذا القطاع إلى أهداف مباشرة في واحدة من أكثر البيئات خطورة في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك