قراءة نقدية في تجربته الشعرية من خلال نماذج مختارةلم يكن جمال حسن سعيد شاعراً تقليدياً يلجُ عالم الغناء عبر بوابة الموهبة الشعرية فقط لكنه ربيب المسرح السوداني كما يصف نفسه، جاء من أروقته الواسعة، محملاً بالحكايات الشعبية الاساطير واللغة السودانية الثرية والمثرية، فمنذ نشأته، كان قريباً من (الخشبة) يتنفس إيقاعها، ويختزن في ذاكرته تلك القدرة الفطرية على تحويل الكلمة والمواقف والذكريات المختزنة إلى مشاهد حية تنبض بالحياة.
بيئات متعددة وتكوين إبداعي متفرد ” شهدت مدينة الخرطوم الصرخة الأولى للشاعر جمال حسن سعيد في مطلع ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتشكل ملامح تجربته الإنسانية والإبداعية عبر مسار حياتي وتعليمي متنوع.
نشأ في حي العباسية بأم درمان، ذلك الحي الذي ظل يمثل أحد أهم الفضاءات الثقافية والشعبية في السودان، بما يحمله من حيوية اجتماعية وثراء في الذاكرة الشفاهية والفنون الشعبية.
تنقل جمال في مراحل تعليمه الأولى بين مدارس متعددة؛ فدرس المرحلة الابتدائية في أبو كدوك وكوبر، ثم واصل تعليمه الثانوي في أكثر من بيئة تعليمية، وهو تنقل لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة معرفية وثقافية واسعة أسهمت في توسيع أفقه الإنساني والإبداعي.
فقد أتاح له الاحتكاك ببيئات اجتماعية مختلفة أن يقترب من تنوع الشخصية السودانية ولهجاتها وتفاصيلها اليومية، الأمر الذي انعكس لاحقاً في لغته الشعرية الغنية بالحياة والتفاصيل والمشاهد الإنسانية.
كما أن هذا التعدد في البيئات الدراسية أكسبه حساً مبكراً بالملاحظة والانتباه للفروق الثقافية والاجتماعية، وهي عناصر ستصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من بنائه الدرامي والشعري، حيث تظهر شخصياته الشعرية دائماً وكأنها خارجة من الحياة اليومية بكل تناقضاتها وأصواتها.
واصل دراسته الجامعية في أكثر من حقل معرفي، فدرس التجارة بجامعة النيلين، ثم اتجه إلى دراسة الموسيقى والدراما في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وهو الجمع الذي يكشف عن شخصية متعددة الاهتمامات، تجمع بين الحس العملي والوعي الفني.
وقد أسهمت دراسة الموسيقى والدراما بصورة خاصة في تشكيل لغته الشعرية ذات البعد المسرحي، حيث تتداخل في نصوصه عناصر الحوار والمشهد والسرد والإيقاع.
وعاش فترة من حياته في مدينة كسلا، المدينة ذات الطبيعة الشعرية الخاصة، بما تحمله من جمال بصري وروحي، قبل أن يعمل بعد تخرجه موظفاً في المسرح القومي السوداني، لتتعدد بعد ذلك تجاربه الإبداعية بين التمثيل والإخراج والكتابة، ويصبح واحداً من الأسماء التي تركت أثراً واضحاً في الوجدان السوداني،
غير أن اللافت في تجربته ليس فقط هذا التنوع الإبداعي، بل تلك البداية المبكرة التي كشفت عن موهبة استطاعت أن تستوعب تأثيرات البيئة والتعليم والمسرح والحياة اليومية.
أولا: قصيدة «آدم وحواء».
نبوءة الوعي المبكرفي سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً وهو في الرابعة عشرة من عمره، كتب الشاعر جمال حسن سعيد نص «آدم وحواء»، ذلك النص الذي غدا علامة فارقة في تاريخ الغناء السوداني حين تغنى به العملاق أحمد الجابري في مطلع الثمانينيات عام 1982.
ما أصلو قالوا الريدة ذاتا، ،تبدو تجربة جمال حسن سعيد الشعرية ناضجة رغم صغر سنه؛ فهو يكتب بموهبة فطرية، وقد تشكل وعيه في منطقة تتقاطع فيها المسرحية مع تفاصيل الحياة اليومية.
كُتبت قصيدة «آدم وحواء» في مرحلة عمرية مبكرة، إذ لم يكن عمره يتجاوز الرابعة عشرة، غير أن النص يبدو صادراً عن تجربة إنسانية مكتملة الرؤية، لا عن مراهقة عابرة.
مسكين أبونا أصلو زول شايل المحنة، ،آدم بين الرمز الديني والمحنة الإنسانيةيمثل هذا المقطع نموذجاً واضحاً لرؤية جمال الشعرية التي تمزج بين الرمز الديني والهمّ الإنساني والاجتماعي، حيث تتحول شخصية آدم من مجرد شخصية دينية أو أسطورية إلى رمز للإنسان السوداني والعربي المثقل بالمحنة والأسئلة الوجودية.
مسكين أبونا أصلو زول شايل المحنةفي هذين السطرين تتجلى صورة آدم بوصفه الأب الأول الذي ورث الشقاء الإنساني منذ لحظة الخروج من الجنة.
غير أن الشاعر لا يقدمه باعتباره متمرداً أو ناقماً، بل إنساناً بسيطاً «رضيان بي مصيرو»، وهي عبارة سودانية تمنح النص بعداً شعبياً حميماً، وتجعل آدم قريباً من الإنسان العادي الذي يتحمل أعباء الحياة بصبر واستسلام للقدر.
ثم ينتقل النص إلى الحلم الإنساني بالخلاص:لا تمثل الجنة هنا مكاناً غيبياً فحسب، بل تتحول إلى رمز للحياة الكريمة والاستقرار والطمأنينة.
فآدم ما يزال يحمل حلم الخلاص لأبنائه، وكأن الشاعر يشير إلى أن الإنسان يظل مشدوداً دائماً إلى فردوس مفقود، سواء كان فردوس العدالة أو الحب أو الوطن الآمن.
ويعمق الشاعر البعد الدرامي بقوله:هنا يتحول النص إلى تأمل فلسفي؛ فقصة آدم ليست حدثاً منتهياً في الماضي، بل حكاية إنسانية مستمرة تتكرر عبر الأجيال.
إن الخطيئة، والتيه، والبحث عن الخلاص، كلها تتجدد في الواقع الإنساني، ولذلك تبدو “الحكاية” مفتوحة بلا نهاية، لأن الإنسان ما يزال يعيش التجربة نفسها بأشكال مختلفة.
ويصل النص إلى ذروته الرمزية في قوله:فالمظنة هنا تعني الشك والقلق وعدم اليقين، وهي حالة وجودية يعيشها الإنسان المعاصر.
والبشر ورثوا عن آدم ليس فقط الحياة، وإنما «المحنة.
وتعد كلمة «المِحنة» من التعبيرات السودانية ذات الدلالة الثقافية والوجدانية العميقة؛ فهي لا تعني المعاناة وحدها، بل تعبر كذلك عن الرقة الإنسانية، والمودة الصادقة، وحسن المعاملة، والشهامة، وروح التعاطف مع الآخرين.
ويرتبط هذا التعبير في الوجدان السوداني بقيم التراحم والتكافل والقرب الإنساني.
ومن هنا جاء وصف أهل السودان لمنطقة الجزيرة بأنها «أرض المِحنة»، في إشارة إلى ما عُرف به أهلها من طيبة مفرطة وكرم وتضامن اجتماعي، خاصة في أوقات الشدة، حيث يتقاسم الناس الهمّ والعيش بروح جماعية دافئة.
ثانيا: قيس بين جمال حسن سعيد وعز الدين هلالييقول جمال في نصه «آدم وحواء:وهي إحالة إلى شخصية قيس بن الملوح، رمز العشق والجنون في التراث العربي.
ويستثمر الشاعر هذا التناص ليؤكد أن الإنسان حين يندفع خلف حلمه أو عاطفته العميقة قد يبدو “مجنوناً” في نظر العالم.
وهنا يربط النص بين آدم وقيس: فكلاهما دفع ثمن الاختيار؛ آدم اختار الحب والمعرفة فخرج من الجنة، وقيس اختار الحب حتى الجنون.
وفي «طبع الزمن» يستدعي عز الدين هلالي شخصية قيس بوصفها رمزاً للعاشق الذي يعرف مسبقاً مآلات الحب، ومع ذلك يمضي إليه:أي أن الإنسان، رغم معرفته بثمن الحب، لا يتوقف عن السعي إليه.
وهذه الرؤية تقترب من النزعة الوجودية في الشعر الغنائي السوداني، حيث يصبح الحب نوعاً من التحدي للمصير.
أما جمال حسن سعيد، فقد تعامل مع الرموز التراثية، ومنها آدم وقيس، بطريقة أكثر درامية وسردية، متأثراً بخلفيته المسرحية.
فقيس عنده يدخل ضمن بنية رمزية أوسع تربط بين المحنة الإنسانية والحب والاختيار والخسارة.
ولذلك يبدو توظيف جمال أقرب إلى “المشهد المسرحي الشعري”، بينما يظل توظيف هلالي أقرب إلى الحكمة الوجدانية والغناء التأملي.
البنية الفنية للنص: يعتمد النص على عدة تقنيات بارزة؛ أبرزها الحكي الشعري، إذ يتقدم النص كسرد لحكاية إنسانية متواصلة، إلى جانب توظيف اللغة الشعبية التي تمنح التجربة صدقها وقربها من المتلقي.
كما يوظف التناص الديني والتراثي عبر استدعاء آدم وقيس، لتتحول الشخصيات التراثية إلى رموز للإنسان المعاصر.
وبذلك فإن «آدم وحواء» ليس مجرد استدعاء لقصة دينية، بل قراءة شعرية للوجود الإنساني، حيث تتقاطع المحنة مع الحب، ويتحول الفردوس المفقود إلى حلم دائم يطارد الإنسان في واقعه اليومي.
ثالثا: أزمة الهوية في نصوص جمال حسن سعيد: «مالي بقيت اتنين» نموذجاً:يعتمد جمال حسن سعيد في نصوصه على تقنيات مسرحية خالصة، تتجلى بوضوح في توظيفه للمونولوج الداخلي بوصفه إحدى أهم أدوات التعبير المسرحي؛ إذ يمنح الشخصية فرصة للكشف عن صراعاتها وهواجسها العميقة من داخل النص.
وتقوم تجربته الشعرية في جوهرها على الحكي الشعري، فقصائده لا تنطلق من فكرة مجردة بقدر ما تفتتح حوارا ومشهداً نابضاً بالحركة، تتحرك داخله الشخصيات وتتفاعل ضمن بناء سردي متنامٍ.
ويظهر ذلك بوضوح في نص:يستدعي الشاعر في مطلع هذا النص حالة من الصراع الداخلي الحاد، تكاد تقترب من صورة الفصام الرمزي إذ تتجسد الذات في شخصيتين متضادتين تسكنان جسداً واحداً.
وهنا يعبر جمال عن صراع عميق بين قوتين: الخير والشر، أو بين انتماءين متنازعين، يخشى أن يقود احتدامهما إلى الاحتراب والدمار، وأن يمتد أثر ذلك ليهدد مشروع (الغابة والصحراء) بوصفه رمزاً لفكرة التمازج العربي الإفريقي في السودان، ورمزاً لهويته الثقافية والوجدانية.
(او هكذا تصورت او فهمت المعنى البعيد الذي يرمي اليه) ويمثل قوله:كراع في النار.
كراع في الطينأن تحرق في الغابة أو الصحراءواحداً من أكثر الصور الشعرية كثافة في النص، لما يحمله من دلالات نفسية وثقافية واجتماعية عميقة.
فالصورة تقوم على ثنائية حادة بين النار والطين؛ فالنار ترمز إلى الألم والخطر والاحتراق، بينما يرمز الطين إلى الثقل والالتصاق بالأرض والتشبث بها وهو رمز الخصب والنماء ويفهم منه رمزية الوحل وهكذا يصبح الجسد معلقاً بين الاحتراق والغرق، في تعبير مكثف عن مأزق وجودي واضح.
وعلى المستوى النفسي، تعكس الصورة حالة الانقسام الداخلي التي يقوم عليها النص؛ فالشاعر يشعر بأنه موزع بين هويتين أو انتماءين أو رؤيتين متعارضتين، فلا هو قادر على الانحياز الكامل إلى أحدهما، ولا على الانفصال عن الآخر.
لذلك تأتي الصورة الشعبية «كراع في النار وكراع في الطين» بوصفها تعبيراً عن الإنسان الممزق بين قوتين متضادتين.
أما على المستوى الثقافي، فإن العبارة تستند إلى المخزون الشعبي والأمثال الدارجة التي تصف الإنسان الواقع في مأزق شديد أو وضع معقد لا يملك فيه خياراً مريحاً.
غير أن جمال حسن سعيد يرتقي بهذا التعبير من مستواه اليومي إلى مستوى رمزي أوسع، يتصل بأزمة الهوية السودانية نفسها، خاصة حين يربطه بالخوف من تلك (النعرة) أي العصبية والانقسام، وما قد يترتب عليها من تهديد لمشروع التعايش والتمازج العربي الإفريقي الذي تمثله مدرسة “الغابة والصحراء”.
التي تُعد واحدة من أبرز الحركات الشعرية والثقافية في تيارات الحداثة الأدبية السودانية، إذ تأسست كرابطة ثقافية في جامعة الخرطوم عام 1962، وطرحت مفهوم التمازج العربي الإفريقي باعتباره مدخلاً لفهم الهوية السودانية وصياغتها تنظيراً وإبداعاً.
وقد ضمت في بداياتها عدداً من طلاب الجامعة وخريجيها(راجع مدرسة الغابة والصحراء ومؤسسيها) وقد ارتكزت رؤيتها على أن الشعر السوداني ينبغي أن يعبر عن الهوية المركبة للسودان، بوصفه فضاءً يلتقي فيه العنصران العربي والإفريقي، وأن يسهم الأدب في بناء الكيان القومي والثقافة الوطنية الجامعة.
ويعود النص مرة أخرى إلى تعميق فكرة التمزق الداخلي في قوله:يا ظلي يا المولود مني ومن الشمسسامع جواي الهمس وممنوع من اللمسمين فينا الخير ومين فينا النمس؟فالظل هنا ليس مجرد انعكاس مادي، بل قرين نفسي وروحي، يبدو كأنه مولود من الشمس، بما يمنحه بعداً أسطورياً ورمزياً.
وهو قريب حد الالتصاق، لكنه في الوقت نفسه بعيد، لا يمكن الإمساك به أو ملامسته، مما يعمق الإحساس بالتناقض والاغتراب الداخلي.
ويبلغ النص ذروته في التساؤل الوجودي:وتتعدد دلالات كلمة “النمس” هنا؛ فهي تشير إلى الحيوان المعروف بدهائه وقدرته على افتراس الأفاعي والفئران، كما تُستخدم شعبياً للدلالة على الشخص الماكر أو اللص الخفيف السريع.
وبهذا التعدد الدلالي يترك الشاعر السؤال مفتوحاً: من يمثل الخير؟ ومن يمثل الشر؟ وهل يمكن الفصل بينهما داخل الذات الواحدة؟ وفي خاتمة النص:وتحمل هذه الرؤية بعداً استشرافياً لافتاً، يكشف عن حسّ الشاعر وعمق وعيه بتوترات البنية الاجتماعية والسياسية.
فالنص لا يكتفي بتشخيص الانقسام على مستوى الذات، بل يلمّح إلى قابلية هذا الانقسام للامتداد إلى المجال الجمعي.
ومن هذا المنظور، تبدو التجربة وكأنها تلتقط مبكراً ملامح أزمة أوسع عاشها السودان لاحقاً، حيث تصاعدت حدة الصراعات الداخلية إلى درجة أفضت إلى انفصال جزء من البلاد.
وهكذا يتجاوز النص كونه تعبيراً شعرياً عن القلق الفردي، ليغدو قراءة رمزية لمآلات التوترات الكامنة في الواقع الاجتماعي والسياسي.
رابعا: قصيدة أظنك عرفتي: تحول في التجربة الشعرية: كشفت تجربة جمال حسن سعيد عن تطور لافت ومتواصل؛ إذ لم يتوقف حضوره عند حدود الكوميديا والمسرح، بل امتد إلى فضاء الشعر الغنائي، حيث استطاع أن يقدم نصوصاً ذات حساسية وجدانية عالية، وجدت طريقها إلى أصوات كبار الفنانين السودانيين، ومن أبرزها أغنية «أظنك عرفتي» التي تغنى بها الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد.
مثّلت هذه القصيدة إحدى المحطات المهمة في التجربة الشعرية والغنائية لجمال حسن سعيد، إذ ارتبطت بصوت مصطفى سيد أحمد، وهو من الاصوات الغنائية المتميزة في مسيرة الغناء السوداني، و قام بأدائها وتسجيلها خلال فترة الثمانينيات، عقب لقاء فني جمعه بالشاعر أثناء تقديم مسرحية «إمبراطورية الجداد» للشاعر والمخرج قاسم أبو زيد، وكان مصطفى مؤلفاً موسيقياً للمسرحية.
وتكشف الأغنية عن شاعر يمتلك لغة شفيفة ومحمّلة بالشجن، قادرة على التعبير عن قلق العاطفة وأوجاع الرحيل:أبارِي في خيالك يسوقني ويوديهواجسي البتزرع وظني البربيتجيبني في زمانك موشّح أساورأقول بس نسيتك وجرحك يتاورحملت قصيدة «أظنك عرفتي» اسم الديوان الشعري الذي أصدره الشاعر جمال حسن سعيد عبر شركة قاف للإنتاج الفني التي يملكها البروفيسور اليسع حسن أحمد، زميل دراسة الشاعر في المعهد العالي للموسيقى والمسرح.
ويعكس هذا الإصدار عمق التداخل بين التجارب الإبداعية التي تشكلت داخل هذه المؤسسة، والتي أسهمت في صياغة جانب مهم من الوعي الفني والثقافي في السودان الحديث، حيث تلاقت تجارب الشعر والمسرح والموسيقى والإنتاج الفني في فضاء معرفي واحد.
وفي المقاطع التالية تبلغ القصيدة ذروة الشفافية العاطفية، حيث يفتتح النص بصورة شديدة الحميميةوطيفك يزاور.
وروحك تحاورفالمرأة هنا لا تحضر حضوراً مادياً مباشراً، وإنما تتجسد في هيئة خواطر وطيف، أي في مستوى الوعي الباطني والذاكرة.
ويمنح هذا التحول الأفعال (تصحى، تساور، يزاور، تحاور) حركة داخلية مستمرة، وكأن الحبيبة أصبحت حالة ذهنية تسكن الشاعر وتطارده في آن واحد.
ثم يقول: تجيبني في زمانك موشّح أساور هنا ينتقل النص من المجرد إلى الصورة الحسية؛ فالأساور توحي بالزينة والأنوثة والاحتفال، وقد تحمل في الوقت ذاته دلالة القيد والارتباط.
وكأن الحبيبة تستدعيه إلى زمنها الخاص، الزمن المشبع بالإغواء والذاكرة والجمال، ليغدو الزمن نفسه فضاءً شعرياً لا مجرد إطار للأحداث.
ويبلغ التوتر العاطفي ذروته في قوله: أقول بس نسيتك وجرحك يتاورفالنسيان هنا ليس فعلاً مكتمل التحقق، بل محاولة متكررة للفصل بين الذات والتجربة، سرعان ما تفشل أمام تجدد الألم.
وكلمة «يتاور» في العامية السودانية تشير إلى الاشتعال أو التهيج المفاجئ، ما يجعل الجرح كياناً حياً قابلاً للاستفاقة والانفجار.
ولا يتوقف النص عند حدود الغنائية العاطفية، بل ينفتح على تأمل أعمق في معاناة الفنان نفسه: أظنك عرفتي عذاب المغني في هذا الموضع، يتحول الخطاب من الحبيبة إلى الفنان، حيث لا يعود المغني مجرد مؤدٍ، بل إنساناً مثقلاً بحساسية مفرطة وتوتر دائم تجاه العالم.
وطبلو المجدّع شظايا التمني في هذه الصورة الكثيفة، يتحول الطبل، رمز الإيقاع والفرح، إلى آلة منكسرة، في دلالة على انهيار الفرح نفسه.
أما «شظايا التمني» فتعكس تفتت الحلم بين الرغبة والعجز.
حروفه البتجزع في لحظة تجنّي تغدو الحروف كائنات قلقة ومتوترة، وكأن اللغة ذاتها تعيش مأزق التعبير.
و«التجني» هنا يحيل إلى القسوة أو الانفعال الحاد، بما يعكس هشاشة المبدع أمام العالم.
خطاهو البتهرع متين تطمئني تتجلى حالة القلق الوجودي في حركة الخطى المضطربة، بينما يظل سؤال الطمأنينة مؤجلاً وغير قابل للتحقق.
خامسا: قصيدة زولة وسيط جمالي وثقافييمثل هذا النص («زولة») الذي تغنى به الفنان سيف الجامعة نموذجًا غنيًا لتوظيف المفردة المحلية والمحكية السودانية داخل بناء شعري حديث، حيث لا تأتي العامية بوصفها بديلًا للفصحى أو مجرد أداة للتواصل اليومي، بل تتحول إلى وسيط جمالي وثقافي قادر على حمل الإحساس والذاكرة والهوية.
زولة تفتح الروح ضلفتينبل تساسق بين شفقتك … وحرقتكما بتأذنك.
ما روحها نفاج غربتكتُعد مفردة (زولة) من أكثر الكلمات التصاقًا بالوجدان السوداني، غير أن حضورها لا ينفصل عن جذورها العربية الفصيحة؛ فهي مؤنث كلمة (زول) وقد وردت في المعاجم العربية، ومنها المعجم الوسيط، بدلالات متعددة ترتبط بالظرف والفطنة والجمال والشجاعة.
فالزولة في اللغة تعني الذكاء وخفة الروح والكرم والألف المرأة البارزة الذكية الظريفة والشجاعة التي يهابها الناس، وتُستخدم كذلك للدلالة على الفتية والشباب والحيوية.
ومن هنا فإن الكلمة في الاستعمال السوداني لم تفقد أصلها العربي، إنما اكتسبت أبعادًا وجدانية وثقافية إضافية، حتى أصبحت جزءًا من الهوية اللغوية السودانية.
أما كلمة “ضلفتين” فهي مفردة شعبية تشير إلى مصراعي الباب، واستخدامها هنا يمنح الصورة بعدًا بصريًا وحسيًا واضحًا؛ فالروح تتحول إلى بيت ذي أبواب تُفتح على اتساعها أمام حضور المرأة، بما يوحي بانكشاف الداخل الإنساني بكل هشاشته ودفئه.
ثم تتوالى الأفعال المحكية القصيرة ذات الإيقاع السريع: (تخشك … وتمرقك) وهما فعلان دارجان في العامية السودانية؛ فتخشك مشتقة من الدخول، بينما(تمرقك) من المرور أو الخروج والعبور.
ويعتمد الشاعر هنا على حيوية الفعل الشعبي وإيقاعه الشفاهي المتدفق، بحيث تصبح اللغة نفسها محاكاة للحركة التي تصفها؛ فالإيقاع السريع للألفاظ يعكس حالة الدخول والخروج المتكرر من الروح وإليها.
ولا يقتصر الأمر على الدلالة المباشرة، بل يتجاوزها إلى الأداء الصوتي نفسه؛ فكأن الكلمات تؤدي المعنى عبر موسيقاها الداخلية وحركتها الإيقاعية، لا عبر معناها القاموسي وحده.
وهنا تتجلى قدرة اللهجة السودانية على إنتاج شعرية خاصة، تنبع من بساطة التعبير اليومي لكنها تنفتح على أبعاد نفسية ووجدانية عميقة.
وتتجلى خصوصية اللهجة السودانية وثراؤها في العبارة: بل تساسق بين شفقتك … وحرقتك”، فكلمة “تساسق” مشتقة من فعل يوحي بالحركة المستمرة ذهابًا وإيابًا، أو الاقتراب المتكرر في حالة من التردد واللهفة.
كما أن الكلمة تحتفظ في الذاكرة الغنائية السودانية بحضورها في أغنية الفنان صلاح مصطفى أَساسِق بالدريب الجاي بحداك أي أقترب وأمرّ بالقرب منك باستمرار، بما يحمله الفعل من معنى الملازمة والاقتراب الحميم.
وهذا يمنح المفردة بعدًا شعوريًا يتجاوز معناها المباشر إلى الإحساس بالحضور العاطفي الدائم.
وتبرز مفردات البيئة السودانية بوضوح في أغنية زولة: وإنت بتحنس غمام كي تجعلك مطرة ودعاش كلمة (بتحنس) تعني التودد والتلطف والترجي بلغة ناعمة من أجل استمالة الآخر أو استدعائه.
أما “الدعاش” فهي من أكثر المفردات شاعرية في الوجدان السوداني، وتشير إلى المطر الخفيف الرقيق، ذلك المطر المرتبط بالخضرة والخصب والسكينة والحنين.
وتحمل الكلمة أبعادًا حسية وعاطفية يصعب نقلها بمفردة فصيحة واحدة، إذ يرتبط (الدعاش) في المخيال الشعبي بالرومانسية وهدوء الطبيعة وصفاء اللحظة.
يوظف الشاعر مفردات ذات طابع شفاهي مثل قوله: (تهضرب يا ولد)، والهضربة في القاموس الشعبي السوداني تشير إلى الثرثرة أو الكلام غير المتزن وغالبا نتاج تاثير نفسي وانفعالي او عند الحمى الشديدة وقد تأتي بمعنى الهذيان أو (الكلام المطرطش).
وغالبًا ما ترتبط الكلمة بحالات الوجد والشرود العاطفي حين يفقد الإنسان توازنه الداخلي تحت وطأة الإحساس الشديد.
والهضربة هنا إلى وصف دقيق لحالة العاشق الذي يتكلم بلا ضابط مدفوعًا بسحر المراة وتأثيرها الطاغي عليه، بما يخلق حالة من الارتباك والانفعال والاستسلام للعاطفة.
اعتقد نجح النص في تحويل المفردة الشعبية من أداة تداول يومي إلى عنصر جمالي حي، قادر على إنتاج صورة شعرية نابضة بالحيوية مشبعة بالحس الشعبي والهوية السودانية.
أخيرا: صوت شعري مغاير: يقول الشاعر والمسرحي محمد علي مخاوي في شهادته عن جمال حسن حسن سعيد: يمثل جمال حسن سعيد «مسرحياً قلقاً» كان في جوهره شاعراً قبل أن يتشكل ككاتب مسرحي، وتجد نصوصه مشبعة بالشك، والرحيل، والتوتر، والتضاد الحاد، لكنها في الوقت نفسه تتميز بحضور موسيقي واضح ومكثف.
وجمال على خلاف كثير من أبناء جيله من المسرحيين، ظل محتفظاً بحس موسيقي داخلي عميق، وأن شخصيته الإبداعية تستدعي أجواء “الهمباتة الشعراء”، حيث تتقدم الكلمة الشعبية إلى مركز النص، ثم يعيد تشكيلها داخل البناء المسرحي، ليمنحها حياة جديدة تمتد من فضاءات ميدان الخليفة وشارع الفيل إلى ساحات الحرية وأزقة الناس البسطاء، دون أن يفقد إيقاعه الموسيقي، والحداثة الت ييتبناها جمال حسن سعيد لم تكن قطيعة مع التراث، بل كانت محمية بالموسيقى وباللغة اليومية الحية، وأنه ظل وفيّاً للشعر الشعبي السوداني، ذلك الشعر المشبع بالموسيقى والدلالة وقلق العصر الحديث، مع قدرة واضحة على تطويره وإعادة صياغته ضمن رؤية معاصرة.
واعتقد أن التجربة المسرحية لدى جمال زادتها عمقاً وثراءً، إذ خرج من “قلب الشعب” محملاً بحس درامي واضح، جمع بين البساطة العميقة والوعي الفني، في تجربة تتأسس على الفهم لا الادعاء، وعلى الإحساس لا التصنع.
dr.
khalidbalula@gmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك