احتمالية انفصال دارفور عن السودان: التجزؤ الإثنو-سياسي، الصراع المسلح، فشل الدولة، وديناميات تقرير المصير (الجزء الثالث)أستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدراتالمدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبياناتلعب الاتحاد الإفريقي دورًا مركزيًا في إدارة أزمة دارفور منذ بدايات التصعيد العسكري عام 2003، حيث اعتُبرت الأزمة إحدى أكبر اختبارات المنظمة الإفريقية بعد تحولها من منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي عام 2002 (Williams, 2011).
وقد جاء التدخل الإفريقي في سياق محاولة إثبات قدرة المؤسسات الإفريقية على معالجة النزاعات داخل القارة وفق مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” (Murithi, 2009).
في أبريل 2004 توسط الاتحاد الإفريقي في اتفاقية وقف إطلاق النار الإنسانية في انجامينا بين الحكومة السودانية وحركتي تحرير السودان والعدل والمساواة، ونُشرت بعثة مراقبة صغيرة عُرفت باسم AMIS لمتابعة تنفيذ الاتفاق (de Waal, 2007).
وبدأت البعثة بعدد محدود لا يتجاوز نحو 300 مراقب وجندي، ثم توسعت تدريجيًا لتصل إلى أكثر من 7000 عنصر بحلول 2005، إلا أنها ظلت تعاني من ضعف التمويل واللوجستيات والتفويض العسكري المحدود (Williams, 2011).
كما واجهت بعثة الاتحاد الإفريقي مشكلات تتعلق:ضعف الاستخبارات الميدانيةوقد أدى ذلك إلى فشلها في منع الهجمات الواسعة على المدنيين والقرى (Prunier, 2005).
وفي مايو 2006 تم توقيع اتفاق أبوجا للسلام بين الحكومة السودانية وفصيل من حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، لكن معظم الحركات رفضته، ما أدى إلى استمرار الحرب وتصاعد الانقسامات المسلحة (Flint, 2008).
وفي يوليو 2007 أصدر مجلس الأمن القرار 1769 الذي أنشأ العملية المختلطة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور (UNAMID)، لتصبح واحدة من أكبر عمليات حفظ السلام في العالم، حيث تجاوز عدد أفرادها 26 ألف عنصر في بعض المراحل (UNSC, 2007).
ورغم ذلك، واجه الاتحاد الإفريقي انتقادات حادة بسبب:قبوله بقيود الحكومة السودانيةغياب الإرادة السياسية الموحدة داخل الدول الإفريقيةضعف الموارد المالية المستقلةكما ارتبط موقف بعض الدول الإفريقية برفض تدويل الأزمة بصورة قد تُستخدم لاحقًا ضد أنظمتها الداخلية (Mamdani, 2009).
أصبحت دارفور منذ 2004 إحدى أكثر القضايا حضورًا داخل مجلس الأمن الدولي.
ففي سبتمبر 2004 أصدر مجلس الأمن القرار 1564 الذي هدد بفرض عقوبات على السودان بسبب الانتهاكات الواسعة في دارفور (UNSC, 2004).
كما أنشأت الأمم المتحدة لجنة تحقيق دولية برئاسة أنطونيو كاسيزي للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الإقليم (Cassese, 2005).
وفي مارس 2005 أصدر مجلس الأمن القرار 1593 الذي أحال ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، في أول إحالة من نوعها لدولة غير عضو في نظام روما الأساسي (Schabas, 2011).
كما لعبت الأمم المتحدة دورًا إنسانيًا واسعًا؛ إذ أصبحت دارفور واحدة من أكبر عمليات الإغاثة الإنسانية عالميًا.
ففي بعض السنوات تجاوز عدد العاملين الإنسانيين 14 ألف موظف وعامل إغاثة داخل الإقليم (UNOCHA, 2009).
وقد بلغت ميزانيات العمليات الإنسانية مليارات الدولارات سنويًا، وشملت:لكن الأمم المتحدة واجهت صعوبات كبيرة بسبب:الهجمات على العاملين الإنسانيينوقد قُتل عشرات العاملين الإنسانيين منذ 2003، ما جعل دارفور من أخطر البيئات الإنسانية عالميًا (Human Rights Watch, 2009).
مثلت دارفور نقطة تحول مركزية في تطور العدالة الجنائية الدولية.
ففي 2005 أحال مجلس الأمن الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 (Schabas, 2011).
وفي 2009 أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أضيفت تهمة الإبادة الجماعية عام 2010 (ICC, 2010).
كما صدرت مذكرات توقيف بحق:وأصبحت هذه القضية أول مرة يُلاحَق فيها رئيس دولة أثناء وجوده في السلطة من قبل المحكمة الجنائية الدولية (Bosco, 2014).
لكن تنفيذ أوامر الاعتقال واجه عقبات كبيرة نتيجة رفض السودان التعاون، إضافة إلى رفض بعض الدول الإفريقية تسليم البشير خلال زياراته الخارجية (Murithi, 2009).
كما انقسمت الأدبيات حول أثر العدالة الدولية؛ إذ يرى بعض الباحثين أنها ساهمت في ردع الانتهاكات، بينما يرى آخرون أنها زادت تصلب النظام السوداني وأضعفت فرص التسوية السياسية (de Waal, 2007).
امتدت آثار حرب دارفور إلى دول الجوار بصورة كبيرة، خاصة تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا (Tubiana, 2017).
ففي تشاد ساهم النزاع في عسكرة الحدود وتصاعد نشاط الجماعات المتمردة العابرة للحدود.
كما دعمت الخرطوم وإنجامينا جماعات متمردة ضد بعضهما البعض بين 2005–2010 (Marchal, 2010).
كما أدت الحرب إلى تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى شرق تشاد، حيث أُنشئت مخيمات كبيرة قرب أبشي وفارشانة وإيربا (UNHCR, 2010).
أما ليبيا فقد أصبحت بعد 2011 مصدرًا رئيسيًا للأسلحة والمقاتلين المرتزقة في دارفور والساحل الإفريقي عمومًا (Tubiana, 2017).
تحولت دارفور إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى منذ منتصف العقد الأول من الألفية.
فقد دعمت الصين الحكومة السودانية سياسيًا واقتصاديًا، خاصة بسبب مصالح النفط والاستثمارات في قطاع الطاقة (Large, 2008).
وفي المقابل مارست الولايات المتحدة ضغوطًا واسعة على الخرطوم، ووصفت ما حدث في دارفور بأنه “إبادة جماعية” عام 2004 (Powell, 2004).
كما لعبت فرنسا دورًا غير مباشر عبر علاقاتها مع تشاد، بينما انخرطت روسيا لاحقًا في دعم السودان عسكريًا وسياسيًا، خاصة بعد 2017 (International Crisis Group, 2023).
أصبحت دارفور إحدى أكثر الأزمات توثيقًا في تقارير حقوق الإنسان العالمية.
وقد وثقت منظمات مثل:(Human Rights Watch, 2004).
كما تعرضت النساء والفتيات لعنف جنسي واسع النطاق، استخدم في بعض الحالات كأداة حرب وترويع مجتمعي (Amnesty International, 2004).
لم تظهر حتى الآن حركة دارفورية تمتلك اعترافًا دوليًا واسعًا كممثل شرعي لمشروع انفصالي، بخلاف ما حدث مع جنوب السودان أو إريتريا (Young, 2012).
كما أن المجتمع الدولي ظل رسميًا ملتزمًا بوحدة السودان، حتى في ذروة الحرب.
تواجه أي محاولة انفصالية في دارفور قيودًا جيوسياسية كبيرة تشمل:رفض الاتحاد الإفريقي تغيير الحدودتخوف دول الجوار من العدوى الانفصاليةالانقسامات الإثنية الداخليةفرضت الولايات المتحدة عقوبات على السودان منذ 1997، ثم توسعت لاحقًا بسبب دارفور (US Treasury, 2007).
كما فرض مجلس الأمن حظرًا على السلاح في دارفور بموجب القرار 1591 عام 2005 (UNSC, 2005).
لكن فعالية العقوبات ظلت محدودة بسبب ضعف التنفيذ واستمرار تدفق السلاح عبر الحدود الليبية والتشادية (Tubiana, 2017).
شهدت دارفور أنماطًا متعددة من الحروب بالوكالة، خاصة بين السودان وتشاد خلال 2005–2010، حيث دعمت كل دولة جماعات متمردة ضد الأخرى (Marchal, 2010).
كما تورطت أطراف إقليمية في تسليح أو تمويل مجموعات محلية لتحقيق مصالح أمنية أو اقتصادية.
تشير الأدبيات المقارنة إلى أن الاعتراف الدولي بالدول الجديدة يعتمد على عوامل مثل:السيطرة الإقليمية المستقرةوفي حالة دارفور لا تزال هذه الشروط ضعيفة نسبيًا مقارنة بحالات انفصالية ناجحة أخرى.
تصاعد التنافس الدولي في السودان خلال العقد الأخير مع تنامي أدوار:وقد ارتبط ذلك بمصالح تشمل:(International Crisis Group, 2023).
تمسكت دول عديدة داخل الاتحاد الإفريقي بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، خوفًا من خلق سوابق قد تُستخدم ضدها مستقبلًا (Murithi, 2009).
لكن أزمة دارفور ساهمت أيضًا في توسيع النقاش حول “مسؤولية الحماية” بعد قمة الأمم المتحدة 2005.
يرتبط وضع دارفور قانونيًا بمبادئ:لكن القانون الدولي لا يمنح تلقائيًا حق الانفصال إلا في ظروف محدودة جدًا، مثل الاستعمار أو القمع الواسع طويل الأمد.
أصبحت دارفور إحدى أبرز الحالات المرتبطة بمبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P)، الذي طُرح بقوة بعد فشل المجتمع الدولي في رواندا والبوسنة (Bellamy, 2009).
لكن التدخل العسكري الدولي المباشر لم يحدث بسبب:الانقسامات داخل مجلس الأمنالتخوف من تكرار تجربة العراقشهدت أزمة دارفور عشرات جولات التفاوض، من بينها:لكن معظمها فشل في إنتاج تسوية مستقرة بسبب الانقسامات المسلحة وضعف تنفيذ الاتفاقات (Flint, 2008).
رغم فرض حظر السلاح على دارفور عام 2005، استمرت تدفقات الأسلحة بصورة واسعة عبر ليبيا وتشاد (UN Panel of Experts, 2016).
كما استخدمت أطراف متعددة شبكات تهريب معقدة لتجاوز العقوبات الدولية.
فشلت معظم جهود الوساطة بسبب:10.
19 مصالح القوى المتوسطةلعبت قوى إقليمية ومتوسطة مثل قطر وتركيا والإمارات وتشاد أدوارًا متفاوتة في دارفور، مدفوعة بمصالح سياسية واقتصادية وأمنية (International Crisis Group, 2023).
فقد رعت قطر مفاوضات الدوحة، بينما ارتبطت الإمارات لاحقًا بشبكات الذهب والتجارة الإقليمية المرتبطة بالسودان.
الفيدرالية واتفاقيات السلامشكّل اتفاق أبوجا للسلام، الذي وُقّع في العاصمة النيجيرية أبوجا في 5 مايو 2006، أول محاولة دولية واسعة لإنهاء حرب دارفور عبر تسوية سياسية شاملة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة (de Waal, 2007).
وقد جرت المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي وبدعم مباشر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة (Flint, 2008).
شارك في المفاوضات عدد من الفصائل المسلحة، أبرزها:حركة تحرير السودان/جناح مني أركو مناويحركة تحرير السودان/جناح عبد الواحد محمد نورلكن الاتفاق النهائي وقّع عليه فقط جناح مني أركو مناوي، بينما رفضته بقية الفصائل الرئيسية، وهو ما قوض شرعيته منذ البداية (Prunier, 2005).
وتضمن الاتفاق عدة بنود رئيسية شملت:كما نص على إنشاء “السلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور” ومنح الحركات المسلحة حصصًا في الحكومة المركزية والبرلمان السوداني (Nathan, 2007).
إلا أن الاتفاق واجه أزمات حادة منذ توقيعه بسبب:وقد أدى توقيع فصيل واحد فقط إلى تعميق الانقسامات داخل الحركات المسلحة وتصاعد القتال بين الفصائل نفسها بعد 2006 (Flint, 2008).
كما اعتبر كثير من النازحين في مخيمات دارفور أن الاتفاق لا يعالج قضايا الأرض والأمن والمحاسبة بصورة كافية، خصوصًا مع استمرار هجمات الجنجويد (Human Rights Watch, 2007).
مثلت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، الموقعة في يوليو 2011 برعاية قطر والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، محاولة جديدة لإعادة بناء العملية السلمية بعد فشل أبوجا (Tubiana, 2017).
وقد شاركت في المفاوضات الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة بقيادة التجاني السيسي، بينما رفضت حركات رئيسية مثل حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان/جناح عبد الواحد الانضمام النهائي للاتفاق (de Waal, 2015).
وشملت الوثيقة بنودًا تتعلق بـ:التعويضات الفردية والجماعيةإنشاء سلطة إقليمية لدارفوركما نصت على إنشاء “بنك إعمار دارفور” وصندوق تنمية خاص للإقليم (Young, 2012).
وفي مؤتمر المانحين بالدوحة عام 2013 تعهدت الدول المانحة بمبالغ تجاوزت 3.
6 مليار دولار لدعم إعادة إعمار دارفور، لكن جزءًا كبيرًا من هذه التعهدات لم يُنفذ فعليًا (International Crisis Group, 2014).
كما واجهت الوثيقة تحديات كبيرة بسبب استمرار الحرب والانقسامات المسلحة وضعف الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة (Tubiana, 2017).
وُقّع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020 بين الحكومة الانتقالية السودانية وعدد من الحركات المسلحة ضمن مسار دارفور ومسارات أخرى (International Crisis Group, 2021).
وجاء الاتفاق بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 وفي سياق محاولة دمج الحركات المسلحة داخل العملية الانتقالية (de Waal, 2022).
كما منح الاتفاق الحركات المسلحة نسبًا محددة في:إلا أن الاتفاق واجه صعوبات كبيرة بسبب:بطء تنفيذ الترتيبات الأمنيةاستمرار الانقسامات المسلحةوقد أدى انهيار العملية الانتقالية إلى إضعاف اتفاق جوبا بصورة كبيرة، بينما انخرطت بعض الحركات الموقعة في التحالفات العسكرية الجديدة خلال الحرب السودانية الجارية (International Crisis Group, 2023).
أصبحت الفيدرالية أحد المطالب المركزية في الخطاب السياسي الدارفوري منذ بداية التمرد المسلح عام 2003، باعتبارها وسيلة لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل السودان (Salih, 2005).
وقد ارتبطت المطالب الفيدرالية بفشل النموذج المركزي الذي هيمنت عليه النخب النيلية في الخرطوم منذ الاستقلال (Johnson, 2016).
وتاريخيًا عرف السودان أنماطًا متغيرة من الحكم الإقليمي والفيدرالي، خاصة بعد اتفاقية أديس أبابا 1972 ثم النظام الفيدرالي النسبي في التسعينيات (Collins, 2008).
لكن كثيرًا من الباحثين يشيرون إلى أن الفيدرالية السودانية بقيت شكلية إلى حد كبير، بسبب استمرار هيمنة المركز على:تبنت الحكومة السودانية رسميًا سياسات اللامركزية منذ التسعينيات، لكن التطبيق العملي ظل محدودًا (El-Affendi, 1995).
فقد احتفظت الخرطوم بالسلطة الحقيقية في مجالات:كما أن الولايات الدارفورية ظلت تعتمد ماليًا بصورة كبيرة على التحويلات المركزية، مع ضعف الإيرادات المحلية (World Bank, 2022).
تعرضت معظم اتفاقيات السلام الخاصة بدارفور للفشل الجزئي أو الكامل بسبب مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية، من بينها:كما أن كثيرًا من الاتفاقات ركزت على تقاسم المناصب بين النخب المسلحة والحكومة أكثر من تركيزها على جذور الأزمة المتعلقة بالأرض والتنمية والعدالة (Nathan, 2007).
11.
7 الحكم الذاتي مقابل الاستقلالرغم تصاعد بعض الخطابات الانفصالية المحدودة داخل دارفور، فإن معظم الحركات المسلحة تاريخيًا طالبت بالحكم الذاتي أو الفيدرالية وليس الاستقلال الكامل (Young, 2012).
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، منها:الاعتماد الاقتصادي على السودانضعف الاعتراف الدولي المحتملشكّلت برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) عنصرًا أساسيًا في اتفاقيات السلام، لكنها واجهت عقبات واسعة (United Nations, 2012).
فقد أدى استمرار الحرب وضعف التمويل وغياب فرص العمل إلى فشل دمج أعداد كبيرة من المقاتلين السابقين.
كما عاد بعض المقاتلين إلى حمل السلاح بعد انهيار الاتفاقات أو تأخر تنفيذها (Flint, 2008).
تضمنت بعض الاتفاقات إشارات إلى العدالة الانتقالية والمصالحة، لكن التنفيذ ظل محدودًا للغاية (Sriram, 2007).
كما أن استمرار الإفلات من العقاب وغياب المحاكمات المحلية الفعالة ساهم في تقويض الثقة في عمليات السلام.
وقد ظلت العلاقة بين العدالة والسلام محل جدل كبير، خاصة بعد تدخل المحكمة الجنائية الدولية (Schabas, 2011).
أصبحت قضية إعادة تصميم النظام الدستوري السوداني مركزية بعد 2019، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة المركز بالأقاليم (de Waal, 2022).
وشملت النقاشات قضايا مثل:لكن الانقسامات السياسية والعسكرية أعاقت الوصول إلى صيغة مستقرة.
واجهت جميع الاتفاقات تقريبًا فجوات تنفيذية كبيرة بسبب:(International Crisis Group, 2021).
كما أن كثيرًا من البنود بقي حبرًا على ورق، خاصة الترتيبات الأمنية وإعادة الإعمار.
11.
12 إصلاح القطاع الأمنيمثّل إصلاح القطاع الأمني أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السودان ودارفور (United Nations, 2012).
فقد تضمنت الاتفاقات خططًا لدمج الحركات المسلحة داخل الجيش والشرطة، لكن التنفيذ تعثر بسبب:كما أدت الحرب بعد 2023 إلى انهيار معظم خطط الإصلاح الأمني السابقة.
تعاني الدولة السودانية من ضعف مزمن في القدرات المؤسسية، خاصة في الأقاليم الطرفية مثل دارفور (World Bank, 2022).
وقد أعاق ذلك تنفيذ الاتفاقات حتى في الفترات التي شهدت تراجعًا نسبيًا للعنف.
تُعد أزمة الثقة بين المجتمعات المحلية والحكومة المركزية والحركات المسلحة من أكبر معوقات السلام (de Waal, 2007).
فقد أدى تكرار الاتفاقات غير المنفذة والهجمات المتواصلة إلى ترسيخ شعور واسع بعدم المصداقية.
كما أن كثيرًا من النازحين رفضوا العودة إلى قراهم دون ضمانات أمنية فعلية.
لعبت بعض المبادرات المحلية دورًا مهمًا في احتواء النزاعات القبلية والرعوية داخل دارفور (UNDP, 2015).
التسويات المحلية حول الأرض والمياهلكن تأثيرها ظل محدودًا بسبب استمرار الحرب الشاملة وضعف الدعم المؤسسي.
تعتمد مناطق واسعة من دارفور على أنماط حكم غير رسمية تشمل:وقد ازداد الاعتماد على هذه الأنماط مع تراجع الدولة المركزية.
برزت في دارفور أنماط “الحكم الهجين”، حيث تتداخل سلطات الدولة مع سلطات الحركات المسلحة والزعامات التقليدية والمنظمات الدولية (Boege et al.
, 2009).
وفي بعض المناطق أصبحت السلطة الفعلية موزعة بين:يربط كثير من الباحثين أزمة دارفور بفشل النخب السودانية في بناء مشروع وطني شامل بعد الاستقلال (Johnson, 2016).
كما أن الصراعات بين النخب العسكرية والمدنية والإقليمية ساهمت في إعادة إنتاج الحرب والتهميش.
أنشئت عدة آليات دولية وإقليمية لمراقبة تنفيذ اتفاقيات دارفور، منها:بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقيلكن ضعف الصلاحيات والموارد والانقسامات السياسية حدّ من فعاليتها (Williams, 2011).
تُعد حالة جنوب السودان المرجع الأكثر مباشرة لفهم احتمالات الانفصال في دارفور، إذ انتهت حرب أهلية طويلة بين الشمال والجنوب بتوقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005، ثم إجراء استفتاء الانفصال في يناير 2011 الذي صوّت فيه أكثر من 98% لصالح الاستقلال (Johnson, 2016).
وقد ارتبط نجاح الانفصال في الجنوب بعدة عوامل بنيوية، أبرزها:وجود حركة تحرير موحدة نسبيًا (SPLM)حرب طويلة خلقت هوية سياسية متماسكةاعتراف مسبق بمبدأ تقرير المصيرلكن التجربة أظهرت أيضًا هشاشة ما بعد الانفصال، حيث اندلعت حرب أهلية داخلية عام 2013 بين الفصائل الجنوبية، ما يشير إلى أن الانفصال لا يعني بالضرورة الاستقرار (de Waal, 2015).
تمثل إريتريا حالة انفصال ناجح بعد حرب طويلة ضد إثيوبيا امتدت من 1961 إلى 1991، وانتهت باستفتاء استقلال عام 1993 (Iyob, 1995).
وحدة تنظيمية عسكرية قوية (EPLF)دعم إقليمي محدود لكنه حاسمانهيار الدولة الإثيوبية المركزية في تلك المرحلةلكن لاحقًا تحولت إريتريا إلى نموذج لدولة شديدة المركزية والسلطوية، ما يوضح أن الانفصال قد ينتج دولة غير ديمقراطية (Connell, 2011).
تُعد صوماليلاند حالة فريدة من “الدولة غير المعترف بها”، حيث أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991 بعد انهيار الدولة المركزية (Bradbury, 2008).
ورغم عدم الاعتراف الدولي، حققت صوماليلاند:لكن غياب الاعتراف الدولي حدّ من:الوصول للنظام المالي العالميالشرعية القانونية الدوليةتمثل بيافرا في نيجيريا (1967–1970) أحد أبرز الأمثلة على فشل الانفصال، حيث انتهت الحرب بهزيمة الإقليم وانهيار مشروع الدولة الانفصالية (Uche, 2008).
تدخل دولي محدود وغير حاسموتُظهر الحالة أن غياب الدعم الدولي والقدرات العسكرية يؤدي غالبًا إلى فشل الانفصال (Herbst, 2000).
شهد إقليم تيغراي في إثيوبيا حربًا أهلية بين 2020 و2022 بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، ما أعاد النقاش حول الانفصال داخل دولة فيدرالية (de Waal, 2022).
انهيار سريع للعلاقات الفيدراليةتآكل مؤسسات الدولة الفيدراليةوتشير الأدبيات إلى أن تيغراي تمثل نموذجًا لانهيار الفيدرالية لا الانفصال المكتمل (International Crisis Group, 2021).
تمثل كاتانغا في الكونغو (1960–1963) أحد أقدم محاولات الانفصال في إفريقيا بعد الاستقلال، بدعم من شركات تعدين أجنبية ومصالح بلجيكية (Gibbs, 1991).
وقد انتهت الحركة الانفصالية بعد تدخل الأمم المتحدة وإعادة دمج الإقليم في الدولة الكونغولية.
تعد الصحراء الغربية حالة نزاع مستمر بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ 1975، حيث لم يتم التوصل إلى حل نهائي أو استفتاء استقلال (Zunes, 2010).
اعتراف محدود بجمهورية صحراويةتدخل الأمم المتحدة دون حل نهائيتُظهر الحالات المقارنة أن نجاح أو فشل الانفصال يعتمد على:تعتمد الدراسات المقارنة على قواعد بيانات مثل UCDP وPRIO لتتبع الحروب الأهلية والانفصالات (Sundberg & Melander, 2013).
12.
10 مصفوفة النجاح والفشلتُظهر المصفوفات التحليلية أن:النجاح يرتبط بالدعم الدولي والوحدة الداخليةالفشل يرتبط بالانقسام الداخلي وغياب الاعترافالاعتراف الدولي يتأثر بـ:تلعب الموارد مثل النفط والذهب دورًا مزدوجًا:أو تعزز التدخل الخارجي والصراعالتدخل الخارجي كان حاسمًا في:يعد انهيار مؤسسات الدولة شرطًا مهمًا لظهور حركات انفصالية أو دول فعلية (Rotberg, 2004).
بعض الكيانات مثل صوماليلاند بقيت دون اعتراف بسبب غياب الإرادة الدولية رغم توفر الاستقرار الداخلي (Menkhaus, 2006).
تشير البيانات إلى أن الحروب الأهلية التي تؤدي إلى انفصال ناجح تكون عادة طويلة (أكثر من 10–15 سنة)، كما في حالة جنوب السودان وإريتريا (Fearon, 2004).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك