في مدينة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب، لم يكن الملتقى العشائري الذي عقد مؤخراً، وحمل اسم" ضفاف النهر" حدثاً اجتماعياً عادياً بالنسبة لكثير من المتابعين في شمال شرقي سوريا، بل بدا أقرب إلى محاولة إعادة ترتيب المشهد المحلي في منطقة ظلت لأكثر من عقد محكومة بثقل الأحزاب والقوى العسكرية الكردية أكثر من أي بنى اجتماعية تقليدية أخرى.
والملتقى الذي نظمته مديرية القبائل والعشائر في محافظة حلب، في 9 أيار/مايو الجاري، جمع شيوخاً ووجهاء وقادة عسكريين وشخصيات اجتماعية من عرب وكرد وتركمان، بحضور مسؤول ملف القبائل والعشائر السورية، جهاد عيسى الشيخ، ووفود قادمة من محافظتي حلب وإدلب، في خطوة حملت رسائل تتجاوز عناوين تعزيز الأخوة وتوحيد الصف التي رافقت البيانات الرسمية.
وجاء انعقاد الملتقى بعد أيام قليلة فقط من إعلان تشكيل" مجلس القبائل في منطقة عين العرب شرق حلب"، والذي يضم ممثلين عن عشائر مناطق عين العرب وصرين والشيوخ والجلبية، ضمن ما قيل إنها خطة لدعم الاستقرار وتعزيز التواصل بين الفعاليات المحلية والسلطات الجديدة.
وبدا أن توقيت الخطوة، وطبيعة المنطقة التي شهدتها، والتغيرات السياسية والعسكرية الجارية في شمال شرقي سوريا، دفعت كثيرين إلى النظر إليها باعتبارها بداية لمحاولة إعادة تفعيل البنية العشائرية الكردية والعربية في مواجهة النفوذ التقليدي للأحزاب السياسية، وفي مقدمتها القوى المرتبطة بالإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) بشكل عام.
وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، قال مسؤول ملف القبائل والعشائر السورية، جهاد عيسى الشيخ، إن اللقاء الذي عُقد في مدينة عين العرب لم يكن موجهاً لمكون أو عشيرة بعينها، بل جرى التحضير له ليكون لقاء جامعاً يضم مختلف المكونات الاجتماعية الموجودة في المنطقة.
وأوضح الشيخ أن الدعوات وجهت إلى وجهاء وشخصيات اجتماعية وعشائر عربية وكردية وتركمانية، مضيفاً: " لم يستثن أحد من الدعوات، لأننا نؤمن أن هذه المكونات مجتمعة تمثل النسيج الحقيقي لسوريا، وأي خطوة باتجاه الاستقرار يجب أن تشمل الجميع".
وبحسب الشيخ، فإن الهدف الأساسي من الملتقى يتمثل في" كسر حالة العزلة" التي عاشتها مناطق شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية، وإعادة فتح قنوات التواصل المباشر بين أبناء المنطقة بعد سنوات من الانقسامات السياسية والعسكرية.
ويضيف: " أردنا أن نفتح باباً للتلاقي بين الناس وتقوية الروابط الاجتماعية، وأن نؤكد على فكرة نبذ التفرقة وتجاوز الحواجز التي تراكمت خلال سنوات الحرب، سواء بين المكونات أو حتى داخل المجتمع الواحد".
ويرى الشيخ أن اللقاءات العشائرية والاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تخفيف الاحتقان داخل المنطقة، خصوصاً في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي عاشتها خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن المشاركين في الملتقى شددوا على ضرورة طي صفحة الخلافات والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على فكرة أن" السوريين جسد واحد بعيداً عن لغة الاقتتال والانقسامات".
ويتابع: " الناس تعبت من الصراعات، واليوم هناك حاجة حقيقية لأن يجلس الجميع مع بعضهم البعض، وأن يكون التركيز على مستقبل المنطقة وأبنائها، وعلى كيفية الوصول إلى حالة من الأمان والاستقرار خلال السنوات المقبلة".
وأكد مسؤول ملف القبائل والعشائر السورية أن اللقاء الذي شهدته عين العرب لن يكون الأخير، موضحاً أن هناك توجهاً لعقد لقاءات دورية خلال المرحلة المقبلة في مناطق مختلفة، بهدف توسيع دائرة التواصل المجتمعي وتعزيز دور الفعاليات المحلية في معالجة القضايا والخلافات الاجتماعية.
وفيما يتعلق بإمكانية توسع نشاط مجلس القبائل والعشائر إلى محافظات أخرى، مثل اللاذقية وطرطوس، قال الشيخ إن الخطة تشمل مختلف المحافظات السورية، عبر افتتاح مديريات ومكاتب تابعة للمجلس تكون مهمتها" الاقتراب من الناس والاستماع إلى مطالبهم والعمل على إصلاح ذات البين".
وأضاف أن هذه المديريات يفترض أن تتحول إلى حلقة وصل بين الأهالي والجهات الحكومية، بما يساعد على نقل مشاكل الناس واحتياجاتهم بشكل مباشر، إلى جانب دعم المبادرات المحلية الرامية إلى تخفيف الاحتقان وتعزيز الاستقرار المجتمعي في مختلف المناطق السورية.
محاولة لتوسيع اتفاق" قسد" والحكومة؟الباحث السياسي محمد السكري يرى أن ما يجري في عين العرب لا يمكن فصله عن مسار التفاهمات الجارية بين الحكومة السورية و" قسد"، ويعتقد أن الاتفاقات العسكرية وحدها غير كافية لضبط المشهد الاجتماعي والسياسي المعقد في المنطقة.
ويقول السكري لموقع تلفزيون سوريا إن" هناك حاجة فعلية لأن يمتد أي تفاهم بين الحكومة وقسد إلى المستوى المجتمعي، لأن الاتفاق العسكري لا يعني بالضرورة أن المجتمع نفسه أصبح مندمجاً أو متقبلاً للمرحلة الجديدة".
ويضيف أن مناطق شمال شرقي سوريا شهدت خلال السنوات الماضية تشكل قوى ومراكز نفوذ متعددة داخل" قسد" والإدارة الذاتية، الأمر الذي خلق تموضعات اجتماعية وسياسية متباينة، بعضها لا ينظر بإيجابية إلى أي تفاهمات جديدة مع دمشق.
وبحسب السكري، فإن الملتقى العشائري في عين العرب يبدو كمحاولة لتوسيع قاعدة التفاهمات نحو المجتمع المحلي نفسه، وليس فقط نحو القوى العسكرية، موضحاً أن" المنطقة بطبيعتها تميل إلى البنية العشائرية، سواء عند العرب أو حتى داخل المجتمع الكردي، لذلك هناك محاولة لفهم المجتمع وضبطه عبر قنوات اجتماعية تقليدية، وليس فقط عبر المؤسسات الحزبية والعسكرية".
ويرى أن أي تفاهم سياسي أو أمني لن يكون مستقراً ما لم يشمل" الأطر الاجتماعية" المختلفة، محذراً من أن تجاهل هذه البنى قد يخلق لاحقاً توترات أمنية أو رفضاً مجتمعياً يصعب احتواؤه، خاصة في بيئة شهدت تحولات سريعة خلال السنوات الماضية.
ويتابع: " هناك مجموعات ربما قبلت بالاتفاقات الحالية تحت ضغط الواقع، لكن هذا لا يعني أنها اندمجت فعلياً معها، لذلك نرى اليوم سعياً لتوسيع التفاهمات باتجاه المجتمع نفسه، وربما الوصول لاحقاً إلى نوع من التطبيع الاجتماعي والسياسي داخل المنطقة".
هل يتراجع النفوذ الحزبي الكردي؟ترى مصادر محلية متابعة في عين العرب ومناطق الجزيرة السورية أن إحياء العشائر الكردية خلال المرحلة الحالية لا يمكن قراءته بوصفه نشاطاً اجتماعياً فقط، بل كمحاولة غير مباشرة لإعادة توزيع النفوذ داخل الشارع الكردي نفسه، عبر خلق قنوات تواصل جديدة تتجاوز الأحزاب والتيارات التقليدية.
وتقول المصادر لموقع تلفزيون سوريا إن حالة من الاستياء المجتمعي تتوسع داخل الأوساط الكردية تجاه أداء الأحزاب السياسية خلال السنوات الماضية، خصوصاً لدى الفئات التي ترى أن الخطاب السياسي الكردي" لم ينجح في ترجمة شعاراته إلى واقع فعلي"، سواء على المستوى الخدمي أو الاقتصادي أو حتى السياسي.
وبحسب المصادر، فإن السلطة السورية الجديدة تحاول الاستفادة من هذا المزاج الاجتماعي عبر إعادة تفعيل الروابط العشائرية والعائلية، باعتبارها أدوات أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع المحلي وأقل إثارة للحساسيات السياسية مقارنة بالأحزاب.
وتضيف أن بعض القوى السياسية الكردية بدأت تنظر بقلق إلى تنامي الحضور العشائري في المشهد العام، خشية أن يتحول تدريجياً إلى بديل اجتماعي وسياسي ينافس الأحزاب على تمثيل الشارع الكردي، خاصة في المناطق التي ما تزال العلاقات العائلية والعشائرية تلعب فيها دوراً مؤثراً رغم سنوات العمل الحزبي الطويلة.
يقول الكاتب والمحلل السياسي علي تمي، وهو من أبناء عين العرب، إن الملتقى الأخير" لم يحقق أهدافه بالشكل الكامل"، مشيراً إلى أن مقاطعة بعض القوى الكردية والعشائر العربية عكست حجم الانقسام القائم تجاه هذه التحركات.
ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن هناك محاولة واضحة لطمأنة الشارع الكردي وإعادة دمجه ضمن الحالة السورية العامة، لكنه يعتقد أن نجاح ذلك ما يزال مرتبطاً بمدى قدرة هذه التحركات على تجاوز الانقسامات السياسية القديمة.
في مطلع شهر نيسان الماضي، شهد ريف الحسكة احتفالاً عشائرياً أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الكردية، بعدما نظمت عشيرة" الكابارا" الكردية رحلة ولقاءً اجتماعياً سنوياً شارك فيه آلاف الأشخاص من أبناء العشيرة.
ورغم أن منظمي الفعالية أكدوا أنها نشاط اجتماعي وترفيهي يهدف إلى تعزيز الروابط بين أبناء العشيرة والتعارف بين الأجيال الجديدة، إلا أن صور الاحتفال والشعارات التي رفعت خلاله دفعت بعض الأطراف السياسية والإعلامية إلى التعامل معه بوصفه حدثاً يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز طابعه الاجتماعي المعلن.
مصادر محلية قالت لموقع تلفزيون سوريا إن الهجوم الذي تعرضت له المناسبة من قبل بعض الناشطين والأحزاب عكس حالة قلق متزايدة من تنامي الحضور العشائري داخل الشارع الكردي، خاصة بعد سنوات طويلة من هيمنة الخطاب الحزبي والقومي على المشهد العام.
وتضيف المصادر أن بعض الانتقادات ذهبت باتجاه تخوين المشاركين أو اعتبار ما جرى تراجعاً عن الحالة القومية الكردية، رغم أن منظمي الفعالية شددوا على أن المناسبة اجتماعية بحتة وليست نشاطاً سياسياً أو حزبياً.
وفي خضم هذا الجدل، جرى تداول تعميم داخلي منسوب للحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، عبر فيه عن القلق من بعض التحركات العشائرية، معتبراً أنها قد تدفع المجتمع الكردي نحو مسارات لا تخدم تطلعاته القومية، وداعياً إلى الحذر من هذه التوجهات.
لكن ردود الفعل داخل الشارع الكردي لم تكن موحدة، إذ رأى بعض المتابعين أن الأحزاب السياسية تحاول التعامل بحساسية مفرطة مع أي حراك اجتماعي مستقل، بسبب تراجع ثقة جزء من المجتمع بها خلال السنوات الماضية.
الجدل حول إحياء العشائر الكردية لا يتوقف عند حدود الصراع بين المجتمع والأحزاب، بل يمتد إلى نقاش أوسع داخل الأوساط الكردية نفسها حول معنى العودة إلى البنية العشائرية بعد عقود من الخطاب القومي والسياسي الحديث.
فبينما يرى مؤيدو هذه التحركات أنها محاولة لإحياء الروابط الاجتماعية التقليدية وتعزيز التماسك المحلي بعيداً عن الاستقطابات الحزبية، يعتبر معارضون أن العودة إلى العشائرية قد تمثل تراجعاً عن العمل السياسي والمؤسساتي الحديث، وعودة إلى أنماط اجتماعية تقليدية يرون أنها لم تعد مناسبة لطبيعة المرحلة الحالية.
وتقول مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا إن كثيراً من أبناء العشائر الكردية أنفسهم ينتمون عملياً إلى الأحزاب السياسية الكردية، ما يجعل الفصل بين العشائري والحزبي أكثر تعقيداً مما يبدو عليه في الخطاب الإعلامي والسياسي.
كما تشير المصادر إلى أن جزءاً من الجدل القائم اليوم لا يتعلق بالعشائر بحد ذاتها، بل بالسؤال الأعمق حول من يملك تمثيل الشارع الكردي في سوريا خلال المرحلة المقبلة: هل تبقى الأحزاب السياسية صاحبة النفوذ الأكبر، أم أن السنوات الماضية فتحت الباب أمام عودة الهويات الاجتماعية التقليدية كلاعب رئيسي في المشهد؟شمال شرقي سوريا أمام إعادة تشكيل اجتماعي؟خلال السنوات الماضية، أعادت الحرب في سوريا إنتاج كثير من البنى الاجتماعية التي بدت في مراحل سابقة أقل حضوراً، سواء العشائر أو الروابط المحلية أو الهويات المناطقية، مستفيدة من تراجع مؤسسات الدولة والانقسامات السياسية والعسكرية.
وفي شمال شرقي سوريا تحديداً، يبدو أن المرحلة الحالية تدفع باتجاه إعادة اختبار العلاقة بين المجتمع المحلي والقوى السياسية، وبالتحديد حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي العمود الفقري المشكل لقسد، والتي سيطرت على المنطقة طوال السنوات الماضية.
فالسلطة السورية الجديدة، كما تقول مصادر محلية، تحاول بناء شبكات تواصل أكثر قرباً من المجتمع، في حين تسعى القوى الحزبية للحفاظ على نفوذها داخل بيئة تشهد تغيرات سياسية وأمنية متسارعة.
وربما لهذا السبب، لا تبدو التحركات العشائرية الأخيرة مجرد نشاطات اجتماعية عابرة، بل مؤشرات على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ داخل الشارع الكردي والعربي في شمالي، وشمال شرقي سوريا، في وقت ما تزال فيه المنطقة تبحث عن صيغة مستقرة لعلاقتها مع السلطة السورية الجديدة، ومع القوى المحلية التي حكمتها طوال السنوات الماضية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأبرز مطروحاً بين أبناء المنطقة أنفسهم، هل تعود العشيرة لتملأ فراغ السياسة، أم أن الأحزاب الكردية تواجه للمرة الأولى اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرتها على الحفاظ على حضورها داخل مجتمع بدأ يبحث عن بدائل أخرى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك