مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، بدأت الأحزاب السياسية مبكرا استعداداتها لهذا الاستحقاق الذي يهم تجديد الغرفة الأولى من البرلمان، أي مجلس النواب المنتخب بالاقتراع المباشر.
وقد أعلنت وزارة الداخلية عن موعد الاقتراع قبل أسابيع، لتدخل الأحزاب، على اختلاف أحجامها، مرحلة اختيار المرشحين وتعبئة قواعدها الانتخابية، بالنسبة للأحزاب التي لا تزال تحتفظ بامتدادات شعبية وتنظيمية حقيقية، وهي قليلة مقارنة بعدد الأحزاب المعترف بها، الـ34، لا يمثل منها داخل البرلمان الحالي سوى 12.
غير أن هذه الانتخابات تبدو مفتقدة رهانات سياسية كبرى قادرة على إثارة الحماسة الشعبية أو إحداث استقطاب واسع داخل المجتمع، ما يجعل الرهان الأساسي بالنسبة للدولة يتمثل في نسبة المشاركة، وسط تخوف واضح من تسجيل نسب عزوف مرتفعة قد تكون غير مسبوقة.
وتعود هذه المخاوف إلى مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية والاجتماعية المتداخلة.
تهم الانتخابات مجلس النواب، ولا تشمل مجلس المستشارين الذي يُنتخب أعضائه بطريقة غير مباشرة من الهيئات المهنية والمجالس المحلية والغرف المهنية وممثلي الأجراءيرتبط أول هذه العوامل بطبيعة البنية الانتخابية نفسها.
فعملية التسجيل في اللوائح الانتخابية، التي تشرف عليها وزارة الداخلية، لا تزال تطرح تساؤلات بشأن اتساع قاعدة المشاركة.
ففي انتخابات 2021 بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة حوالي 17.
5 مليون ناخب وناخبة، في حين كان عدد المغاربة البالغين سن التصويت يناهز 25.
2 مليون شخص، ما يعني أن ملايين المؤهلين للمشاركة لم يكونوا مسجلين أصلا.
ويرى منتقدون أن تقليص عدد المسجلين يسهل التحكم في هندسة الخريطة الانتخابية وتقسيم الدوائر، بما يضمن توازنات سياسية محددة سلفا، في وقت تعتبر السلطات أن العملية تتم وفق القوانين المنظمة للانتخابات.
يتعلق العامل الثاني بطبيعة هذه الانتخابات نفسها، إذ تهم فقط مجلس النواب، بينما لا تشمل مجلس المستشارين الذي يتم انتخاب أعضائه بطريقة غير مباشرة من الهيئات المهنية والمجالس المحلية والغرف المهنية وممثلي الأجراء.
ففي انتخابات 2021 جرى تنظيم انتخابات مجلس النواب والجماعات المحلية ومجلس المستشارين بشكل متزامن، وهو ما ساهم في رفع نسبة المشاركة إلى نحو 50%.
أما في انتخابات 2016، التي اقتصرت على مجلس النواب، فقد بلغت نسبة المشاركة 43% فقط، رغم أنها شهدت آنذاك استقطابا سياسيا حادا بين حزب" العدالة والتنمية" (الإسلامي)، الذي كان يقود الحكومة، وحزب" الأصالة والمعاصرة"، الذي ارتبط اسمه بقربه من دوائر السلطة.
أما اليوم، فلا يبدو أن المشهد السياسي يعيش حالة استقطاب مماثلة، رغم استمرار التراشق السياسي بين مكوّنات الأغلبية الحكومية والمعارضة، وخاصة حزب" العدالة والتنمية" الذي يحاول استعادة حضوره السياسي بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها سنة 2021.
لكن هذا السجال، في نظر كثيرين، لم ينجح في إيجاد تعبئة سياسية واسعة داخل المجتمع، بل ظل محصورا في التنابز الشخصي والمناكفات الحزبية والتراشق الإعلامي.
السبب الثالث يرتبط بأزمة الثقة المتزايدة بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة، خصوصا لدى الشباب؛ فعدة دراسات واستطلاعات رأي تشير إلى اتساع الفجوة بين الأجيال الجديدة والعمل السياسي التقليدي.
وتكشف هذه الدراسات أن العزوف عن المشاركة لا يعكس دائما حالة من اللامبالاة تجاه الشأن العام، بل يرتبط في حالات كثيرة بفقدان الثقة بجدوى العملية السياسية نفسها.
ومن بين أبرز المؤشرات المتداولة في هذا السياق ما ورد في تقارير شبكة أفروبارومتر الصادرة في مارس/آذار 2026، والتي أظهرت أن 37% فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة يثقون بالبرلمان، بينما تنخفض النسبة إلى 34% بالنسبة للمجالس البلدية.
كما تعتبر أغلبية الشباب، وفق هذه المعطيات، أن الفساد وضعف الكفاءة يقللان من جدوى المشاركة السياسية التقليدية.
وترتبط هذه الأزمة أيضا بالصورة السلبية التي أصبحت تلاحق المنتخبين والمؤسّسات المنتخبة، بسبب انتشار الانطباع بوجود فساد واسع وضعف في الأداء وغياب القدرة على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ونتيجة لذلك، أصبح كثيرون من الشباب يفضلون التعبير عن مواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الاحتجاجات الميدانية، بدل الانخراط في الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات.
وفي السنوات الأخيرة، برزت بالفعل أشكال جديدة من التعبئة السياسية والاجتماعية قادها شباب" جيل زد" خارج الأطر الحزبية والنقابية التقليدية، عمّت مناطق مختلفة من البلاد وكشفت عن وجود شعور متزايد بالإحباط لدى فئات واسعة من الشباب، وقد اعتبر عدد من المحللين هذه التحولات مؤشراً على تغير طبيعة المشاركة السياسية أكثر من كونها عزوفا مطلقا عن الاهتمام بالشأن العام.
ويتعلق العامل الخامس بضعف التنافس السياسي الحقيقي بين الأحزاب، بما أن الأحزاب الرئيسية المتنافسة اليوم هي نفسها التي تداولت على تسيير الحكومات خلال السنوات الماضية وأثبتت فشلها.
وحتى برامجها، التي سرعان ما تتخلى عنها بعد انتهاء عملية الاقتراع، غالباً ما تكون متقاربة يصعب التمييز بينها.
ولذلك تتحول الحملة الانتخابية، التي بدأت قبل أوانها، إلى سجالات شخصية وتبادل للاتهامات بالفشل والفساد وضعف الكفاءة، أكثر من كونها نقاشاً عمومياً حول السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
شكوك كثيرة بشأن قدرة الانتخابات المقبلة في المغرب على إعادة الثقة بالعمل السياسي أو إقناع فئات واسعة من الشباب بالمشاركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك