حملت حرب إيران معها مزيداً من المخاطر على سلامة كابلات الإنترنت البحرية التي تمر تحت مياه الخليج، والتي تمثل عصب الاتصالات لربط الاقتصاد الرقمي بين آسيا وأوروبا.
ورغم عدم تعرض تلك الكابلات للخطر حتى الآن، يذكّر تركزها في ممر مائي ضيق في ظل التصعيد العسكري بحادثةٍ شهدها البحر الأحمر بالفعل في عام 2024، حين تعرضت السفينة روبيمار لما يعتقد أنه هجوم من جماعة الحوثيين أدى إلى قطع الكابلات بمرساتها في أثناء انجرافها.
الكابلات البحرية هي كابلات ألياف ضوئية أو كهربائية تمتد في قاع البحار لنقل البيانات والطاقة.
ويؤكد الاتحاد الدولي للاتصالات، التابع للأمم المتحدة، أن هذه الكابلات تنقل نحو 99% من حركة بيانات الإنترنت في العالم، كما تتيح الاتصالات الدولية ونقل الكهرباء، وتشكل العمود الفقري للخدمات السحابية والاتصالات الرقمية.
ويكشف تقرير نشرته مجلة" بلومبيرغ بيزنس ويك" عن أن الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران أظهرت مدى هشاشة البنية التحتية المادية للإنترنت التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
فمنذ بداية الصراع، تعرضت ما لا يقل عن ثلاثة مراكز بيانات في منطقة الخليج لهجمات بطائرات مسيرة، ما أدى إلى تعطيل خدمات الحوسبة السحابية.
ومع إعادة تصنيف مراكز البيانات والكابلات البحرية باعتبارها بنية تحتية استراتيجية على غرار شبكات الطاقة ومصافي النفط، بدأ يُنظر إليها بوصفها أهدافاً محتملة.
وقد دفع ذلك شركات التكنولوجيا الكبرى ومزودي الاتصالات إلى إعادة تقييم مواقع مراكز البيانات ومسارات نقلها.
وقد أصبحت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى وجهات جذابة للاستثمار من عمالقة الحوسبة السحابية الأميركية مثل" أمازون ويب سيرفيسز" و" مايكروسوفت" و" غوغل"، غالباً بالشراكة مع صناديق الثروة السيادية في المنطقة.
لكن هذه الاستثمارات باتت اليوم تحمل مستوى أعلى من المخاطر.
كما يجري إعادة النظر في الخطط الخاصة بمدّ الكابلات البحرية، فبدلاً من الاعتماد بشكل كبير على الممرات البحرية الضيقة، بدأت الشركات تستكشف خيارات بديلة مثل المسارات البرية والهجينة.
ولا تكمن المشكلة المعقدة فقط في الأضرار التي يمكن أن تلحق بهذه البنية في أجواء الصراع، لكنها تشمل أيضاً تكاليف وكيفية إصلاحها التي يمكن أن تكون مكلفة ومعقدة، وتبين ذلك جلياً إثر حادثة السفينة روبيمار، والذي سبَّب قطع ثلاثة كابلات إنترنت قبل أن تغرق في النهاية.
واستغرق إصلاح تلك الكابلات جزئياً خمسة أشهر، لأن الشركات اضطرت إلى تجاوز تعقيدات قانونية للتفاوض مع الحوثيين، الذين يخضعون لعقوبات دولية، قبل تنفيذ أعمال الإصلاح في المياه اليمنية.
كما جرى تعليق خطط تركيب خمسة كابلات إضافية على الأقل في البحر الأحمر، الذي كان في السابق المسار الأكثر مباشرة والأقل تكلفة لنقل الإنترنت بين أوروبا وآسيا.
إيران تنفي استهداف كابلات الإنترنتورغم عدم وجود تأكيد أن إيران زرعت ألغاماً في مضيق هرمز، يسعى الحرس الثوري الإيراني لإيصال هذا الانطباع.
وفي أوائل إبريل، نشر الحرس الثوري خريطة للمضيق تحدد" منطقة خطرة" يُنصح السفن التجارية بتجنبها بسبب الألغام البحرية.
ونفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أمس الثلاثاء، بشكل قاطع وجود أي خطط إيرانية لقطع كابلات الاتصالات البحرية التي تمرّ عبر مضيق هرمز.
ويشير مثال بحر البلطيق وبحر الشمال إلى أن خطر الألغام يمكن أن يستمر لعقود طويلة.
فقد زُرعت مئات الآلاف من الألغام هناك خلال الحرب العالمية الثانية، وأُضيفت ذخائر أخرى لاحقاً.
وحتى اليوم، وبعد أكثر من 80 عاماً، تقوم الشركات أو التحالفات التي تمد الكابلات أو خطوط الأنابيب في شمال أوروبا بمسح قاع البحر لرصد الذخائر أو العوائق.
وبعد ذلك، يتم استخدام روبوتات تحت الماء لفحصها عن قرب.
وفي حال جرى العثور على ذخائر، يتم إما تغيير مسار الكابل، وإما نقل الذخائر، وإما تفجيرها.
وينقل تقرير بلومبيرغ عن دورثي رينغ إيربس-هانسن، وهي عالمة جيوفيزياء دنماركية تدير شركة استشارات متخصصة في مخاطر قاع البحر، أن تفجير الذخائر الكبيرة قد يكلف مئات آلاف الدولارات.
لكنها تضيف أن التكاليف قد ترتفع حتى في حال عدم العثور على شيء، لأن عمليات المسح تكشف في كثير من الأحيان عن خردة معدنية تجعل عمليات البحث أكثر تعقيداً وكلفة.
وتشير الباحثة إلى أن هناك سجلات دقيقة لأماكن زرع ألغام الحرب العالمية الثانية، وهو ما لا يتوفر في الخليج العربي، ما يجعل عمليات المسح أصعب.
كما أن الصواريخ والطائرات المسيّرة غير المنفجرة في إيران قد تكون في أي مكان، وقد تكون أكثر خطورة من ذخائر عمرها 80 عاماً.
ولم تكن عمليات تركيب الكابلات وخطوط الأنابيب في الخليج تتطلب عادة فحوصات بحث عن الذخائر غير المنفجرة، باستثناء شمال المنطقة قرب العراق الذي كان مليئاً بالألغام خلال حرب الخليج.
وفي الوقت الحالي، تبحث بعض شركات الاتصالات في المنطقة إمكانية مد كابلات برية للإنترنت، وهي أكثر تكلفة بكثير من الكابلات البحرية، أو تطوير مسارات هجينة تتجنب مناطق الخطر.
وتوفر شركة الاتصالات العراقية" آي كيو غروب" بالفعل مساراً برياً يمر من الإمارات عبر السعودية أو الكويت ثم العراق، وصولاً إلى أوروبا عبر تركيا.
كما تشرف NEQSOL Holding الأذربيجانية على مسار آخر يربط آسيا بأوروبا عبر كازاخستان وأذربيجان.
لكن هذه الخيارات لم تسلم هي الأخرى من آثار الحرب في إيران.
ويقول الرئيس التنفيذي لشركة" آي كيو غروب": " خلال هذا الصراع، تعمل جميع القطاعات في العراق تحت حالة من عدم اليقين الشديد، بما في ذلك قطاعنا".
ويضيف أن جماعات مسلحة مدعومة من إيران نفذت هجمات على حقول غاز ومصافي نفط وفنادق ومنشآت عسكرية في البلاد.
ويقول: " من الصعب إدخال الإمدادات، لذلك نعمل بنحو 50% من سرعتنا السابقة".
وبدلاً من نقل الكابلات جواً أو بحراً مباشرة إلى العراق، باتت الشركة تنقلها عبر تركيا برّاً.
وإذا جرى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار واستؤنفت الأنشطة في الخليج، فلن يتم استئناف تركيب الكابلات ببساطة كما كان سابقاً، إذ ستواجه شركات التكنولوجيا والاتصالات الممولة لهذه المشاريع مشكلة جديدة: وجود صواريخ غير منفجرة وألغام منتشرة في قاع البحر على طول أو بالقرب من مسارات الكابلات المخطط لها.
ومن المرجح أن تحتاج الشركات إلى إعادة مسح أجزاء من قاع البحر باستخدام أجهزة استشعار مغناطيسية وصوتية للتأكد من سلامة المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك