روسيا اليوم - روسيا تختبر مسيرة عسكرية جديدة متعددة الاستخدامات روسيا اليوم - ضربات روسيا الانتقامية تزيد الضغط على كييف فرانس 24 - حزب الله يرفض اتفاق وقف إطلاق النار ويطالب بانسحاب كامل لإسرائيل من لبنان روسيا اليوم - من "لونوخود" إلى "أرتيميس".. كيف تغيّر مفهوم المركبات القمرية جذريا روسيا اليوم - لماذا يحظى الشاعر يسينين بشعبية كبيرة بين الوطنيين الروس؟ قناة الغد - الذهب يتجه لخسارة أسبوعية بفعل التوترات ومخاوف الفائدة القدس العربي - الرئيس الصيني شي يزور كوريا الشمالية الأسبوع المقبل وكالة شينخوا الصينية - ارتفاع عدد السياح في إسرائيل بنسبة 76 في المائة بعد وقف إطلاق النار قناة التليفزيون العربي - صوتوا لصالح تقييد صلاحياته المتعلقة بالحرب.. ترمب يفتح النار على أعضاء جمهوريين بمجلس النواب قناة الجزيرة مباشر - المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة للجزيرة: نرحب بشدة بجهود واشنطن للجمع بين لبنان وإسرائيل
عامة

الطيب محمد الطيب.. الإنداية

سودانايل الإلكترونية
1

يُمثل الراحل الطيب محمد الطيب ظاهرةً استثنائية في مسار الوعي الثقافي السوداني؛ فهو لم يكن مجرد جامع للتراث أو “حكواتي” يجيد سرد السير، بل كان أنثروبولوجياً ميدانياً بالفطرة والممارسة، استطاع بعبقرية ن...

ملخص مرصد
يعد الراحل الطيب محمد الطيب ظاهرة ثقافية سودانية فريدة، إذ كسر حاجز الفجوة بين المثقف الشعبي والنخبوي من خلال توثيقه للتراث الشفاهي في كتابه "الإنداية" (1974). قدم الكتاب دراسة أنثروبولوجية عميقة للمجتمع السوداني، مسلطاً الضوء على الحانات الشعبية كفضاءات اجتماعية وثقافية تتجاوز الفوارق الطبقية والقبلية. كما وثق الطيب مشروبات تقليدية وأدوار النساء وأنماطاً لغوية مهددة بالاندثار، مؤكداً أن الثقافة السودانية كائن حي يتجلى في الأسواق ومجالس السمر.
  • كتاب "الإنداية" (1974) وثق التراث الشفاهي السوداني كوثيقة تاريخية
  • الطيب محمد الطيب أنثروبولوجي ميداني، كسر جدار العزلة بين النخب والجمهور الشعبي
  • حانات "الإنداية" كانت ملتقى ثقافياً واجتماعياً يتجاوز الفوارق الطبقية والقبلية
من: الطيب محمد الطيب أين: السودان

يُمثل الراحل الطيب محمد الطيب ظاهرةً استثنائية في مسار الوعي الثقافي السوداني؛ فهو لم يكن مجرد جامع للتراث أو “حكواتي” يجيد سرد السير، بل كان أنثروبولوجياً ميدانياً بالفطرة والممارسة، استطاع بعبقرية نادرة أن يكسر جدار العزلة بين المثقف النخبوي وبين الإنسان الشعبي في أصدق تجلياته وعفويته.

وفي كتابه العمدة “الإنداية”، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1974، لا يقدم الطيب تأريخاً للحانات الشعبية فحسب، بل يضعنا أمام مرآة كاشفة لبنية المجتمع السوداني، مُستنطقاً الهوامش التي طالما حاول المتن الرسمي والفقيهي تجاهلها؛ ليؤكد أن الثقافة السودانية ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي كائن حي يتنفس في الأسواق، وفي مجالس السمر، وتحت ظلال الأشجار.

لقد كرس الطيب حياته لتوثيق الذاكرة المنسية، متنقلاً بمنهجه بين “المسيد” ودور الصوفية، وبين أدب “الدوبيت” و”الهمبتة”، وصولاً إلى “الإنداية”؛ محققاً بذلك مصالحة نادرة في الوجدان السوداني بين قطبين متنافرين في الظاهر: “المسيد” بما يمثله من روحانية وضبط اجتماعي، و”الإنداية” بما تمثله من احتفاء بالجسد وانفلات من القيود الرسمية.

وقد قضى نحو ست سنوات يتجول بين مدن وأقاليم السودان المختلفة لجمع مادة الكتاب من الرواة مباشرة، محققاً معايشة لصيقة لدرجة الذوبان في الوسط الذي يدرسه، ومحافظاً على حياد معرفي رصد الظواهر الاجتماعية كما هي، بعيداً عن صرامة الأحكام الأخلاقية المسبقة، وكأنه يرى الإنسان السوداني في كماله وتعدده لا يتجزأ بين خلوة الذكر ومجلس السمر.

ويُعد كتاب “الإنداية” قفزة جريئة في هذا السياق؛ ففي مجتمع يتسم بالتحفظ الظاهري، اقتحم الطيب هذا الفضاء “المسكوت عنه” ليكشف عن حقائق اجتماعية ونفسية بالغة التعقيد، مبيناً أن “الإنداية” لم تكن مجرد حانة تقليدية للمشروبات المحلية، بل كانت ملتقىً ثقافياً واجتماعياً تذوب فيه الفوارق الطبقية والقبلية.

وتتجلى القيمة الأنثروبولوجية لهذا العمل في قدرة الطيب على نقل “التراث الشفاهي” من مرتبة الحكاوي العابرة إلى مرتبة الوثيقة التاريخية؛ حيث وثق بدقة بالغة أسماء المشروبات التقليدية المصنوعة من الذرة والدخن مثل: “الدكاي”، “أم تف”، “أم بلبل”، “العسلية”، “البقنية”، “الحسوة”، “كبس التور”، و”البغو”.

ولم يقف توثيقه عند حدود المادة، بل امتد ليرصد “الرطانة” أو الشفرات اللغوية والطبقية الخاصة التي كان يتحدث بها الرواد، وهي لغة مفقودة كادت أن تندثر أمام زحف التنميط الثقافي الحديث، كما سلط الضوء على الأدوار المحورية للنساء داخل هذا الفضاء، بدءاً من إدارة “الشيخة” للمكان وصولاً إلى حضور “الجراريات”.

ولم يكتفِ الطيب بالوصف الظاهري، بل غار في أعماق الدوافع النفسية، باحثاً عن تجليات الهروب من شظف العيش أو التعبير عن الاحتجاج الاجتماعي الصامت، ومنقذاً في الوقت ذاته ثروة هائلة من أغاني “الزار” وأشعار “الحكامات” التي كانت آيلة للاندثار.

وبذلك، ظل الطيب محمد الطيب يمثل البوصلة التعريفيه التي تهدينا إلى مكامن القوة والجمال، تاركاً أثراً عظيماً جعل السودانيين يتصالحون مع ذواتهم المتعددة، ويرون جمالياتهم في أماكن لم يجرؤ أحد قبله على النظر إليها بعين الفحص والتقدير، ليقدم دراسة واقعية وثيقة الصلة بحياة الريف والمدن السودانية دون تجميل أو إقصاء.

hishamissa.

issa50@gmail.

com.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك