في الأدب السوداني المعاصر، نادرًا ما تظهر نصوص تحاول أن تكتب السجن لا بوصفه تجربة اعتقال فحسب، بل باعتباره استعارة كبرى لحالة وطن بأكملهوهنا تكمن أهمية كتاب «سجون المهد» للدكتور عزام؛ فهو لا يكتفي بسرد تجربة القيد، وإنما يحاول — بوعي أو دون وعي — أن يحول السجن إلى مرآة تعكس أزمة الإنسان السوداني في علاقته بالدولة، والأيديولوجيا، والجماعة، وحتى بنفسهالعنوان نفسه شديد الذكاء والدلالةفـ«المهد» في الوعي السوداني ليس كلمة بريئة أو محايدة؛ إنه يحيل مباشرة إلى – البدايات، التكوين، المقدس السياسي، والذاكرة التاريخية المرتبطة بالخلاص والسلطة معًالكن حين تقترن كلمة «المهد» بـ«السجون»، فإننا ندخل فورًا في مفارقة مؤلمة , كيف يمكن للمكان الذي يفترض أن يكون رحمًا للحرية أو النهضة أن يتحول إلى فضاء للقيد؟ هنا يبدأ الكتاب في تفجير أسئلته الحقيقيةأهم ما يميز الكتاب — في تقديري — أنه لا يقدم السجن باعتباره مجرد مؤسسة عقابية، بل كبنية اجتماعية وسياسية ونفسية ممتدة داخل المجتمع السوداني نفسهفالقارئ يكتشف تدريجيًا أن -السجن ليس فقط الزنزانة، وليس فقط المحقق أو السجان، بل أيضًا , اللغة المغلقة، الخوف الجماعي، الرقابة الأخلاقيةالقبيلة، الحزب، والشعارات الكبرى التي تتحول إلى أقفاص فكريةوهذا ما يمنح النص بعدًا يتجاوز “أدب الشهادة” التقليدي إلى مساحة أقرب للفلسفة السياسيةفالكتاب لا يقول إن السلطة تسجن الناس فقط، بل يلمح إلى أن المجتمع نفسه قد يتحول إلى مؤسسة اعتقال ضخمة، وأن الفرد السوداني يعيش داخل طبقات متراكمة من السجون _ سجن الهوية، سجن الجماعة، سجن التاريخ، وسجن الخوف من الخروج على السائدمن السجن السياسي إلى نقد الدولة السودانيةاللافت أن الكتاب — حتى في لحظاته الشخصية — لا يبقى أسير التجربة الذاتية , وبل يتحول تدريجيًا إلى نقد ضمني لفكرة الدولة السودانية نفسهاوهنا يقترب النص من تقاليد فكرية عربية وأفريقية واسعة، حيث يصبح السجن نتيجة طبيعية لبنية سياسية مأزومة، لا مجرد انحراف استثنائيفالسلطة في السودان، كما يوحي الكتاب، لم تنجح تاريخيًا في بناء مواطنة حديثة مستقرة، ولذلك اعتمدت دائمًا على الخوف، التعبئة الأيديولوجية، الولاءات الأولية، والأجهزة الأمنيةومن هنا يبدو السجن في الكتاب ليس حادثة، بل جزءًا من منطق الحكم نفسهوهذا ما يجعل «سجون المهد» قريبًا من حيث الروح من أعمال , شرق المتوسط لـ Abdul Rahman Munif، وبعض نصوص Frantz Fanon حول العنف والاستعمار، بل وحتى أدبيات Michel Foucault عن السلطة والانضباط والمراقبةلكن خصوصية النص السودانية تظهر في نقطة مهمة جدًا , أن القمع هنا ليس مجرد قمع دولة حديثة، بل قمع يمتزج فيه , الديني، القبلي، العسكري، والأبويأي أننا أمام “سلطات متعددة” تتداخل فوق الجسد والوعي معًالغة الكتاب تحمل توترًا واضحًا بينالرغبة في التوثيق، والرغبة في الانتقام الرمزي من التجربةفبعض نصوص السجون تقع في فخ البكائيات أو البطولة المطلقة، لكن «سجون المهد» يبدو في لحظات كثيرة , أكثر انشغالًا بفهم ما حدث لا فقط بإدانتهومع ذلك، يمكن القول إن النص أحيانًا يقترب من الخطابة السياسية المباشرة، خاصة حين يتحول الألم إلى موقف أيديولوجي جاهزوهذه مشكلة تواجه كثيرًا من أدب السجون العربي والأفريقي , كيف يمكن للكاتب أن يحافظ على حرارة التجربة، دون أن يفقد التعقيد الفني والفكري؟وربما كان الكتاب سيكون أكثر قوة لو ترك بعض الأسئلة مفتوحة بدلًا من محاولة حسمها أخلاقيًا أو سياسيًاالذاكرة السودانية كفضاء اعتقالواحدة من أهم القضايا التي يثيرها الكتاب و حتى لو بصورة غير مباشرة هذه هي أزمة الذاكرة السودانية نفسهافالسودان بلد عاش , الانقلابات، الحروب، الإقصاء، والمجاعات، لكنه نادرًا ما أنتج “أرشيفًا أخلاقيًا” حقيقيًا لمآسيهولهذا تأتي قيمة هذا النوع من الكتابةلأن أدب السجون ليس فقط تسجيلًا للمعاناة، بل محاولة لمنع النسيانفالسلطة دائمًا تريد من ضحاياها أن ينسوا، أو أن يتحولوا إلى مجرد أرقام.
أما الكتابة فتقاوم هذا المحوومن هنا يصبح «سجون المهد» جزءًا من معركة أكبر هي , معركة الذاكرة ضد النسيان، والفرد ضد الرواية الرسمية للدولةما بعد السجن هل تحرر الكاتب فعلًا؟السؤال الأعمق الذي يتركه الكتاب للقارئ ليس , ماذا حدث داخل السجن؟بل هل يمكن للإنسان أن يغادر السجن نفسيًا بعد خروجه منه؟وهنا يتحول النص إلى تأمل وجودي عميقفبعض السجون لا تبقى في الجدران، بل تنتقل إلى الداخلإلى اللغة، الأحلام، العلاقات، وحتى طريقة النظر للعالموهذه ربما أكثر مناطق الكتاب ألمًا وصدقًاأهمية الكتاب في اللحظة السودانية الحاليةفي ظل الحرب والانهيار الحالي في السودان، تكتسب مثل هذه النصوص أهمية مضاعفةلأن البلاد اليوم لا تواجه فقط أزمة سلطة، بل أزمة معنى تبدا -ما الدولة؟ومن يملك حق رواية التاريخ؟ولهذا فإن «سجون المهد» ليس مجرد كتاب عن الاعتقال، بل نص عن السودان نفسه بوصفه فضاءً معلقًا بينالخوف، والبحث عن الحرية، وبين الذاكرة والعنف، وبين الحلم الوطني وانهياره المستمروربما تكون القيمة الكبرى للكتاب أنه يذكر القارئ بحقيقة قاسية هيأن السجون لا تُبنى فقط من الحديد والأسمنت، بل أيضًا من الأفكار المغلقة، والخوف الجماعي، والسلطات التي تخشى الإنسان الحروهذا بالضبط ما يجعل قراءة هذا الكتاب ضرورية، لا بوصفه شهادة فردية فقط، بل بوصفه وثيقة عن مأزق السودان الحديث نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك