بين أزقة المدن العتيقة في تونس يقف الديار العربي شاهداً أخيراً على عصر كان فيه البنيان مرآة للروح.
ليست مجرد جدران تداعت أو صمدت، بل قصة تحوّل جذري في مفهوم اللمّة التي بدأت تضيق في الشقق الحديثة.
خلف باب خشبي عتيق بمسامير سوداء، توجد" الديار العربي" في تونس عالماً من السكينة يُنسي الزائر ضجيج الأزقة الضيّقة في المدن العتيقة.
وبمجرد أن يعبر السقيفة الملتوية التي تحفظ ستر البيت يشاهد صحن الدار بفسحة مفتوحة على زرقة السماء، تتوسطه نافورة رخامية ينساب منها الماء، أو بئر ماء عذب يُرطّب الأجواء.
وتحيط بالفناء أروقة قائمة على تيجان من رخام، وتتزين جدرانه بلوحات من الجليز التونسي الملوّن بنقوش أندلسية، وتصطف حوله الغرف بأسقفها المقوسة أو الخشبية المزخرفة.
وفي كل زاوية من" الديار العربي" تفوح رائحة الزهر والياسمين المنبعثة من فخاريات، وتنتشر أشجار الزينة، وتبدأ الحكاية من" السقيفة"، وهي الممر المتعرج الذي يمنع المتطفلين من كشف ستر الدار حين ينفتح الباب الخارجي، ويمنح أهل البيت خصوصية.
وبمجرد عبورها ينفتح المشهد على" الوسطاني" أو صحن الدار.
ورغم أنّ غالبية هذه الديار بُنيت بطرق جمعت بين التراث الأندلسي والعثماني والعربي اتفق الجميع على تسميتها بالـ" الديار العربي".
تقول زكية بن إبراهيم (74 سنة)، من بيتها في نهج الباشا: " في هذا الصحن كنا نرى السماء ونحن في قلب بيتنا.
يغسل المطر حين ينزل الرخام أمام أعيننا، وتزورنا الشمس كل صباح.
الديار العربي لم تكن مسكناً، بل وطناً صغيراً يتّسع للجميع، ومكاناً فسيحاً للعائلة الكبيرة".
وتعتبر المعركة المعمارية في تونس العتيقة صراعاً بين فلسفتي الستر والألفة التي تمثلها الديار العربي، وبين العزلة التي تمثلها الشقق الحديثة، ولا يتعلق صمود الديار العربي بالحجارة، بل بنمط حياة يقاوم الاندثار، فالتصميم القديم يعتمد على الفناء المركزي والغرف التي تتوزع حوله، والتي تفرض نظاماً اجتماعياً فريداً، فالغرف تفتح جميعها على الفناء، ما يجعل العزلة أمراً مستحيلاً، والمشاركة قدراً يومياً.
في جانب آخر من المدينة والضواحي حيث العمارات، تتغّير الصورة تماماً، إذ حلّت الشقق مكان الديار، واستُبدل الرخام بالإسمنت، والفناء الفسيح بشرفة ضيّقة لا تكاد تتّسع إلا لكرسي وحيد.
ويوفر تصميم الديار العربي إضاءة طبيعية وتهوية ذاتية، ويجعل السماء جزءاً من ديكور البيت، بينما المباني الحديثة تعتمد على شقق صندوقية تطل نوافذها على الشارع أو على الجيران، ما يضطر السكان إلى الاستخدام الدائم للستائر، وتتحوّل الشقة إلى مساحة مغلقة تعتمد على الإضاءة الاصطناعية والتكييف.
ورغم أنّ الهندسة المعمارية الحديثة وفرت الحلول السكنية العملية، لكنها انتزعت من التونسي مفهوم الفضاء المشترك، ففي الشقة تغلق الأبواب بمجرد الدخول، وتتحوّل الغرف إلى جزر معزولة تفصل بينها ممرات ضيّقة، ولا يوجد صحن للدار يجمع الجدة بكنّاتها، والأطفال بأبناء عمومتهم.
ويتحدث المعماري سليم بن يوسف لـ" العربي الجديد" عن أنّ" هذا التحوّل لم يكن عمرانياً فقط إذ ضيّق المساحة النفسية، وأدى غياب الفناء الداخلي إلى الشعور بالاختناق، ما دفع الناس إلى الهروب إلى المقاهي والفضاءات العامة بحثاً عن نفس مفقود، كما تسبب في انقطاع التواصل البصري، ففي الديار العربي كان الجميع يرى الجميع، أما في الشقق فيتحول الجيران إلى أشباح لا يلتقون إلا في المصعد".
وارتبطت اللمّة التونسية تاريخياً بهندسة الديار العربي، حيث يفوح من المطبخ بخار الكسكسي الذي يُعدّ لأفراد ثلاثة أجيال يعيشون تحت سقف واحد، وكان للأكل طقوس، وللشاي في صحن الدار نكهة لا تُضاهى.
مع تغيّر طبيعة السكن تبدلت العادات، وتفتتت العائلات، ولم تعد الشقق الحديثة تتّسع إلا للعائلة الصغيرة، ما تسبب في عزل كبار السن في بيوتهم، أو في دور الرعاية، وغيّب دور الأجداد.
كما أصبح لكلّ طفل غرفته الخاصة وشاشته الخاصة، وغابت القعدة الجماعية التي كانت تُذيب الخلافات وتُوطد الروابط.
حتى الجيرة تلاشت، ففي المدينة العتيقة، كانت الأسطح مُتّصلة، وتتبادل فيها النسوة الأكلات والكلام.
واليوم الجدران الإسمنتية العازلة للصوت عزلت القلوب أيضاً، وشتتت علاقات اجتماعية في الحارة التي تسمى في تونس بالألحومة.
بينما كانت الهندسة في الديار العربي تفرض التواصل، فالمرور من غرفة إلى أخرى يتطلب عبور الصحن المشترك.
وهذا الفضاء كان يذيب الفوارق بين أفراد العائلة، لكن في المعمار الحديث، ضاقت مساحات الشقق الحديثة، ما فتّت العائلة الكبيرة.
وتحولت اللمة إلى زيارات خاطفة ومبرمجة، وأصبح لكل فرد مملكته الخاصة، أي غرفة معزولة، ما عزز مفهوم العزلة داخل البيت الواحد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك