لم تعد التحذيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقتصر على المخاوف النظرية حول مستقبل الوظائف، بل بدأت تتحول إلى أزمة حقيقية داخل بيئات العمل، مع تزايد التوتر بين الإدارات التنفيذية والموظفين، خصوصاً بين أبناء «جيل زد».
فبينما يواصل رؤساء شركات التكنولوجيا الترويج للذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك المقبل للاقتصاد العالمي، تكشف تقارير حديثة أن عدداً متزايداً من الموظفين باتوا يقاومون إدخال هذه الأدوات إلى أعمالهم، بل ويعمد بعضهم إلى تخريب خطط شركاتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بشكل مباشر.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحذيرات متكررة من قادة القطاع التقني حول اختفاء وظائف مكتبية ومهن تعتمد على المهارات الإنسانية التقليدية.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة Palantir Technologies، أليكس كارب، قد قال خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2026 إن الذكاء الاصطناعي «سيدمر وظائف العلوم الإنسانية»، معتبراً أن المستقبل سيكون لصالح أصحاب المهارات التقنية والمهنية والإبداعية المتخصصة.
كما حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، من أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على نصف الوظائف المكتبية المبتدئة خلال السنوات المقبلة.
دراسة تكشف حجم التوتر داخل المؤسساتالبيانات التي أعادت الجدل إلى الواجهة جاءت ضمن تقرير بعنوان «تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات» الصادر عام 2026 عن شركة «رايتر» المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع مؤسسة «ووركبلايس إنتليجنس» البحثية.
التقرير استند إلى استطلاع شمل موظفين ومديرين تنفيذيين حول تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، والتحديات الناتجة عن تسارع الاعتماد عليها داخل الشركات.
وأظهر التقرير أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً يومياً من العمل داخل المؤسسات الكبرى، إذ قال 70% من الموظفين تقريباً و94% من التنفيذيين إنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لمدة لا تقل عن 30 دقيقة يومياً، بينما أفاد 64% من المدراء التنفيذيين بأنهم يستخدمون هذه الأدوات لأكثر من ساعتين يومياً.
كما توقع 75% من التنفيذيين أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من الإدارة العليا خلال السنوات الخمس المقبلة.
ضغوط متزايدة على الإدارة العلياورغم هذا التوسع السريع، كشف التقرير أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يخلق ضغوطاً غير مسبوقة داخل الشركات.
فقد قال 73% من الرؤساء التنفيذيين إن استراتيجية شركاتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تتسبب لهم بدرجات مختلفة من التوتر والقلق، بينما وصف 38% هذا الضغط بأنه «مرتفع» أو «مشلّ».
كما أشار 61% من التنفيذيين إلى خوفهم من فقدان وظائفهم إذا فشلوا في قيادة شركاتهم خلال التحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وتوقع 45% منهم أن يفقدوا وظائفهم خلال العام المقبل بسبب الذكاء الاصطناعي نفسه.
التقرير أوضح أيضاً أن كثيراً من الشركات ما تزال تتحرك من دون استراتيجية واضحة.
فبينما أكدت 69% من المؤسسات أنها بدأت تنفيذ عمليات تسريح مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، اعترفت 39% بأنها لا تمتلك خطة رسمية لتحقيق عوائد مالية من هذه التقنيات، في حين قال 75% من التنفيذيين إن استراتيجيات شركاتهم تبدو أقرب إلى «الاستعراض» منها إلى التوجيه العملي الحقيقي.
فجوة متصاعدة بين الموظفين والإدارةومن أكثر النتائج لفتاً للانتباه ما وصفه التقرير بـ«الانقسام الداخلي» داخل الشركات.
إذ قال 54% من التنفيذيين إن اعتماد الذكاء الاصطناعي «يمزق شركاتهم من الداخل»، بينما أشار 79% إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تدار غالباً بشكل منفصل داخل الأقسام المختلفة، من دون تنسيق فعلي على مستوى المؤسسة.
كما قال 78% من التنفيذيين إن الذكاء الاصطناعي تسبب بخلافات بين فرق العمل، في حين تحدث 74% عن خلافات مباشرة بين الموظفين أنفسهم.
ويشير التقرير إلى ظهور ما يشبه «طبقة نخبوية جديدة» داخل المؤسسات، تتكون من الموظفين الأكثر قدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
فقد قال 92% من التنفيذيين إن شركاتهم تعمل فعلياً على تكوين فئة من «موظفي النخبة في الذكاء الاصطناعي»، فيما أشار 87% إلى أن هؤلاء الموظفين أكثر إنتاجية بخمس مرات مقارنة بزملائهم الأقل استخداماً لهذه الأدوات.
كما أكد 90% من التنفيذيين أن هذه التحولات ستفرض إعادة التفكير بالكامل في طرق تقييم الأداء والترقيات داخل الشركات.
«جيل زد» يقود مقاومة الذكاء الاصطناعيفي المقابل، كشف التقرير عن تصاعد واضح في مقاومة الموظفين، خاصة من الفئات الأصغر سناً.
فقد أقرّ 29% من الموظفين بأنهم يقومون بشكل أو بآخر بتخريب خطط شركاتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى 44% بين أبناء «جيل زد».
وشملت أساليب المقاومة إدخال معلومات حساسة إلى أدوات ذكاء اصطناعي عامة، واستخدام أدوات غير معتمدة من الشركة، ورفض استخدام الأنظمة الجديدة، بل وحتى إنتاج مخرجات منخفضة الجودة عمداً لإظهار أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة أقل كفاءة.
أما الأسباب الرئيسية وراء هذه المقاومة، فجاء في مقدمتها الخوف من أن يستولي الذكاء الاصطناعي على الوظائف، وهو ما أشار إليه 30% من المشاركين.
كما قال 28% إن أدوات الذكاء الاصطناعي تعاني مشكلات دقة وموثوقية، بينما اعتبر 26% أن استراتيجيات شركاتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي «سيئة التنفيذ»، ورأى 26% أن هذه التقنيات تقلل من قيمة الإبداع البشري.
مخاطر أمنية وتسريبات داخليةالتقرير حذر أيضاً من تصاعد المخاطر الأمنية الناتجة عن الاستخدام غير المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي.
إذ اعترف 35% من الموظفين بأنهم أدخلوا بيانات سرية أو حساسة تخص شركاتهم إلى أنظمة ذكاء اصطناعي عامة، بينما قال 16% إنهم يستخدمون أدوات غير مصرح بها رسمياً داخل مؤسساتهم.
كما أشار 67% من التنفيذيين إلى اعتقادهم بأن شركاتهم تعرضت بالفعل لتسريب بيانات أو خرق أمني بسبب استخدام أدوات ذكاء اصطناعي غير معتمدة.
وكشف التقرير أن بعض الموظفين يستخدمون ما يسمى «الذكاء الاصطناعي الظلّي»، أي أدوات تعمل خارج الأنظمة الرسمية للشركة، بسبب بطء أو ضعف الأدوات المعتمدة داخلياً، أو بسبب غياب الرقابة الواضحة على استخدامها.
كما أشار 28% من الموظفين إلى أنهم شاهدوا أدوات ذكاء اصطناعي تنتج نتائج مضللة أو خطرة أو متحيزة، فيما قال 30% إنهم يخشون الإبلاغ عن هذه المشكلات خوفاً من الانتقام داخل بيئة العمل.
الذكاء الاصطناعي يغيّر مستقبل الترقياتوفي واحدة من أكثر النتائج إثارة للجدل، أظهر التقرير أن 77% من التنفيذيين أصبحوا أقل ميلاً لترقية الموظفين الذين يرفضون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو يتجنبونها.
وفي المقابل، قال 75% من الموظفين إنهم باتوا يثقون بالذكاء الاصطناعي أكثر من مديريهم في بعض المهام، مثل تحليل البيانات أو تقديم النصائح المهنية أو تقييم الأداء.
كما قال 64% من أبناء «جيل زد» إنهم يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يفهم احتياجاتهم المهنية أكثر من مديريهم المباشرين.
ويأتي ذلك وسط تصاعد المخاوف الشعبية تجاه الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة NBC News أن 46% من الناخبين الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه الذكاء الاصطناعي، مقابل 26% فقط لديهم نظرة إيجابية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك