تأتي ورقة «السودان وخرائط الحرب» في سياق سياسي سوداني بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الحرب الأهلية مع أسئلة الدولة والهوية والشرعية وإعادة التأسيس.
وتتمثل القوة الأساسية للورقة في محاولتها التحذير من تحويل الحرب إلى مدخل لإعادة هندسة الدولة السودانية وفق موازين القوة العسكرية والوقائع الميدانية، خاصة فيما يتعلق بخطر “الفيدرالية المسلحة” وإضفاء الشرعية السياسية على التكوينات العسكرية الموازيغير أن القراءة النقدية المتأنية للورقة تكشف، في المقابل، عن عدد من التوترات النظرية والسياسية الكامنة داخل خطابها؛ إذ تبدو الورقة، رغم نقدها للمركزية القديمة، أسيرة هاجس حماية الدولة المركزية أكثر من انشغالها بتفكيك الأسباب البنيوية التي أدت إلى انهيار شرعيتها التاريخية في قطاعات واسعة من السودانوعليه، فإن هذه القراءة لا تهدف إلى رفض أطروحة الورقة بصورة كلية، بقدر ما تسعى إلى مساءلة افتراضاتها الضمنية، والكشف عن حدود مقاربتها لمسألة الفيدرالية وإعادة تأسيس الدولة السودانيةمركزية الدولة كهاجس خفي داخل النصتعلن الورقة بوضوح رفضها للمركزية التقليدية، وتؤكد أن السودان لا يمكن أن يستقر دون فيدرالية حقيقية وعدالة للأقاليمغير أن البناء الكلي للنص يكشف عن حضور هاجس مركزي يتمثل في الخوف من انهيار الدولة أكثر من الخوف من استمرار الشروط التاريخية التي أنتجت الأزمة نفسهافالورقة تتعامل مع الفيدرالية، خصوصًا حين ترتبط بقوى مسلحة أو مطالب قادمة من الهامش، باعتبارها مشروعًا محتملاً لتفكيك السودان، بينما لا تمنح القدر ذاته من النقد للدولة المركزية التي مارست، لعقود طويلة، التهميش والعنف والاحتكار السياسي والاقتصاديوهنا تبرز مفارقة أساسية -إذا كانت المليشيات تمثل خطرًا على وحدة السودان، فإن السؤال الذي يجب طرحه هو-كيف تشكلت هذه المليشيات أصلًا؟وما الشروط البنيوية والسياسية التي سمحت بتحول قطاعات واسعة من الهامش إلى حواضن للسلاح والتمرد؟إن اختزال الأزمة في خطر “الفيدرالية المسلحة” دون مساءلة جذرية لبنية الدولة المركزية يؤدي إلى إعادة إنتاج التصور التقليدي الذي يرى في الهامش تهديدًا دائمًا للاستقرار، بدل النظر إليه كنتيجة مباشرة لفشل المشروع الوطني السوداني في تحقيق العدالة السياسية والتنمويةأخلاقنة الأزمة بدل تحليلها بنيويًاتستند الورقة بصورة واضحة إلى خطاب أخلاقي قوي–* إدانة الانتهازية، * التحذير من المنطقة الرمادية، * رفض الغموض السياسي،والدعوة إلى “وضوح وطني قاسٍ”ورغم الأهمية الأخلاقية لهذا الخطاب في لحظة الحرب، إلا أن الإفراط في المقاربة الأخلاقية قد يؤدي إلى تهميش التحليل البنيوي للأزمة السودانيةفالورقة تميل إلى تفسير تحركات النخب والقوى السياسية من زاوية “التموضع الانتهازي”، بينما تقلل من أثر-اختلال التكوين التاريخي للدولة، * التفاوت التنموي، * عسكرة المجال السياسي، * وانهيار العقد الاجتماعي السودانيوبالتالي، فإن الأزمة تبدو في النص وكأنها ناتجة أساسًا عن سوء تموضع النخب أو غموضها السياسي، لا عن أزمة تاريخية عميقة في بنية الدولة نفسهاوهذا التناول، رغم قوته البلاغية، يظل قاصرًا عن تفسير أسباب الانهيار الواسع لفكرة “الوطن الجامع” في المخيال السوداني المعاصرإشكالية “المنطقة الرمادية” في سياق الحرب الأهليةتطرح الورقة مفهوم “المنطقة الرمادية” بوصفه فضاءً للانتهازية السياسية والتموضع المصلحي، وتنتقد النخب التي ظلت بحسب النص— قريبة من جميع السلطات دون تحمل تكلفة موقف واضحغير أن هذا التصور يثير إشكالًا مهمًا في سياق الحروب الأهلية المركبةففي المجتمعات المنقسمة والعنيفة، لا تكون الاصطفافات دائمًا حادة أو نهائية، كما أن الغموض السياسي قد يمثل أحيانًا-محاولة للوساطة، * أو استراتيجية للبقاء، * أو تعبيرًا عن تعقيد المشهد نفسهوعليه، فإن اختزال كل تموضع غير حاد في خانة “الانتهازية” ينطوي على تبسيط للمجال السياسي السوداني، الذي أصبح أكثر سيولة وتشظيًا من أن يُقرأ بمنطق الثنائية الأخلاقية الصارمة -وطني/خائن، واضح/رمادي، دولة/تفكيكالفيدرالية بين الحق التاريخي وهاجس التفكيكتمثل الفيدرالية محورًا أساسيًا في الورقة، حيث تسعى إلى استعادة المفهوم من الاستخدامات المسلحة أو الانفصاليةإلا أن الورقة تقع في توتر واضح –فهي تعترف بعدالة مطالب الأقاليم، لكنها في الوقت نفسه تتوجس من أي إعادة توزيع جذرية للسلطة خارج المركز التاريخيوهنا يظهر السؤال الأكثر إزعاجًا -هل يمكن تحقيق فيدرالية حقيقية في السودان دون إعادة نظر جذرية في طبيعة الدولة المركزية نفسها؟إن التجربة السودانية منذ الاستقلال تشير إلى أن المركز لم يقدم تنازلات فعلية للأطراف إلا تحت ضغط -* الحرب، * أو التمرد، * أو الانهيار السياسيوبالتالي، فإن الدعوة إلى “فيدرالية غير مسلحة” تبدو أخلاقيًا وجيهة، لكنها سياسيًا تظل معلقة ما لم يُطرح تصور عملي لكيفية إعادة توزيع السلطة والثروة ضمن ميزان قوى مختل تاريخيًاخامسًا الحرب بوصفها كاشفًا لا صانعًا وحيدًا للأزمةتحذر الورقة من خطورة إعادة رسم الدولة على “خرائط الحرب”، وهي نقطة شديدة الأهميةغير أن الحرب الحالية لم تنتج وحدها الانقسامات السودانية، بل كشفت خرائط اجتماعية وسياسية كانت كامنة تحت سطح الدولة الوطنية لعقود طويلةلقد كشفت الحرب – * هشاشة الهوية الوطنية، * ضعف الشرعية المركزية، * سيولة الولاءات، * وتآكل الثقة في مؤسسات الدولةومن هنا فإن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في خطر التفكيك الآني، بل يجب النظر إليها كأزمة تاريخية تتعلق بفشل الدولة السودانية في إنتاج عقد وطني مستقر وشاملتكمن القيمة الأساسية لورقة «السودان وخرائط الحرب» في تنبيهها المبكر إلى مخاطر تحويل الحرب إلى عملية إعادة تأسيس قائمة على موازين القوة العسكرية.
كما تنجح في الدفاع عن ضرورة وجود * جيش قومي واحد، * وعدالة انتقالية، * وفيدرالية وطنية غير قائمة على السلاحلكن حدود الورقة تظهر في ميلها إلى حماية “الدولة” أكثر من تفكيك الأزمة التاريخية التي أفقدت هذه الدولة شرعيتها في قطاعات واسعة من المجتمع السودانيفالسؤال السوداني اليوم لم يعد فقط كيف نحافظ على الدولة؟بل أصبح -أي دولة أصلًا يمكن أن تشكل إطارًا جامعًا للسودانيين بعد كل هذا الانهيار؟إن الخوف من تفكك السودان لا ينبغي أن يتحول إلى خوف من إعادة تأسيسه جذريًاكما أن الدفاع عن وحدة البلاد لا يكتمل دون الاعتراف بأن المركزية القديمة نفسها كانت أحد أهم منتجي الحرب والانقساموعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في منع “الفيدرالية المسلحة”، بل في بناء دولة عادلة تجعل اللجوء إلى السلاح أصلًا أمرًا غير ضروري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك