المقدمة إرث غنائي يتهدد في زمن الانهياريمتلك السودان تاريخاً غنائياً زاخراً ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخه السياسي والاجتماعي وكان الغناء الوطني دائماً في طليعة هذا الإرث التاريخي الحافل غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 لم يغير فقط ملامح الحياة اليومية بل أحدث تحولاً عميقاً في المشهد الغنائي حيث انتقل السودان من أمة تغني للوطن والانتماء إلى مجتمع تتصدر فيه أنماط غنائية مثيرة للجدل.
أولاً جذور الأغنية الوطنية السودانيةنشأت الأغنية الوطنية السودانية في سياق النضال ضد الاستعمار ثم تطورت لتعبر عن تطلعات الأمة بعد الاستقلال عام 1956 لعبت دوراً محورياً في توثيق الأحداث التاريخية والثورات مثل ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بنظام الرئيس عبود العسكرى.
محمد وردي إمبراطور الأغنية السودانية الذي جسدت أعماله وجدان الشعب.
العطبراوي صاحب أغنية أنا سوداني التي أصبحت نشيداً وطنياً ورمزاً للفخر والانتماء.
عائشة الفلاتية التي خلدت بأغانيها الحماسية روح المقاومة.
مضامين سامية اتسمت الأغنية الوطنية بروح الحماسة والانتماء والتحريض على النضال والبعد عن التعصب والكراهية لتكون خطاباً للأمة يدعو للتكاتف ويخلد الأمجاد.
ثانياً مواجهة الحرب أصوات المقاومة والصدمةعندما اندلعت الحرب الحالية في أبريل 2023 تحرك المشهد الغنائي بسرعة ليواكب الحدث وظهرت أنماط مختلفة تعكس ردود فعل الشعبأغاني الحماسة والمساندة سرعان ما ظهرت أغانٍ حماسية تدعم الجيش السوداني وتعبيء الروح المعنوية مثل أغنية جيش السودان للفنانة ملاك الخضر وهو نمط حاضر في كل الحروب السابقة كأداة للتعبئة والتجنيدالنوستالجيا والتحسر إلى جانب الأغاني الحماسية برز نوع آخر يعكس المشاعر الإنسانية تجاه المأساة أغانٍ تعبر عن الحنين إلى الديار والتحسر على الخراب مثل أغنية خيوط العنكبوت للشاعر أبو نعيمة وأغنية بفديك يا وطن وهي الأغاني التي توصف بأنها أغاني الحرب والنزوحثالثاً التحول الصادم ظاهرة الغناء الهابطبالتوازي مع المشهد الأصيل برزت ظاهرة أخرى أثارت جدلاً واسعاً وهي الغناء الذي يصفه النقاد والجمهور بأنه هابط وجنسي ارتبطت بأسماء فنانين ترددت أعمالهم على نطاق واسع في الأوساط الشعبية وحفلات الأفراح.
مضامين جريئة تحتوي على مفردات سوقية مثيرة للغرائزخطاب يتحدث عن القبائل والأعراق بأسلوب يخالف الذوق العام ويهدد وحدة النسيج الاجتماعيغياب أي رسالة وطنية أو إنسانيةرد فعل رسمي وصلت الأمور إلى حد اتخاذ مجلس المهن الموسيقية قراراً في سبتمبر 2022 أي قبل اندلاع الحرب بإيقاف 74 فناناً بتهمة الغناء الهابط مما يدل على أن جذور الظاهرة تعود إلى ما قبل الصراع الحالي غير أن الخلاف حول تعريف الغناء الهابط يبقى قائماً فالبعض يعتبره مصطلحاً مطاطياً يوظف لوصف كل ما يرفضه المستمع من ألوان موسيقية لا تعجبه.
رابعاً تحليل الظاهرة لماذا انتشرت في زمن الحرب؟جاءت الحرب لتكون محفزاً قوياً لتفاقم هذه الظاهرة ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب مترابطةأولاً تدهور الأوضاع الاقتصادية يُعد السبب الرئيسي حيث دفع تدهور الأحوال المادية العديد من الفنانين للخوض في هذا الاتجاه بحثاً عن مصدر رزق سريع يضمن استمرارهم في ظل انعدام البدائلثانياً غياب الرقابة والمؤسسات نتج عن انهيار مؤسسات الدولة بسبب الحرب حالة من الفوضى الفنية وغياب أي دور للاتحاد أو المصنفات الفنية في مراقبة الإنتاج الموسيقي مما فتح الباب أمام كل ما هو رخيص ومثيرثالثاً منصات التواصل الاجتماعي أصبحت يوتيوب ومنصات التواصل فضاءً مفتوحاً بدون رقابة يمكن لأي فنان بث أعماله والوصول إلى ملايين المستمعين مما ساهم في سرعة انتشار مفردات الأغاني الهابطة بشكل لم يسبق له مثيل.
رابعاً تراجع أخلاقيات السوق والذائقة العامة لا يمكن فصل الإنتاج الإبداعي عن بيئته لقد تردت أخلاقيات السوق الفنية وأصبحت هي التي تطلب هذا النوع من الغناء وتشجعه مستغلة حالة الإحباط والفراغ النفسي التي يعيشها الناس في زمن الحربخامساً الهروب النفسي تُشكّل هذه الأغاني وإن كانت هابطة متنفساً للكثيرين في ظل ضغوط الحرب والنزوح والفقدان حيث يلجأ البعض إلى أي شكل من أشكال التسلية والترفيه بغض النظر عن محتواه.
خامساً حلول مقترحة للحد من الظاهرةفي ضوء تعقيد المشهد لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بقرارات قمعية فقط بل بمنظومة متكاملةعلى المستوى المؤسسي والتشريعيإعادة هيكلة النقابات الفنية فور توقف الحرب لتقوم بدورها الرقابي والتوعوي مع وضع آليات لمحاسبة المروجين للخطاب الطائفي والعنصري في الأغانيوضع ميثاق شرف فني يُلزِم الفنانين أنفسهم بمضامين تحترم التنوع القبلي والعرقي مع ترك مساحة للإبداع وعدم الخلط بين الهابط والمختلفتفعيل آليات التصنيف العمري للمحتوى الغنائي على المنصات الرقمية أسوة بالأفلام السينمائيةعلى المستوى الاقتصادي والدعمإنشاء صناديق دعم للفنانين الشباب لتشجيعهم على إنتاج محتوى هادف يوفر احتياجاتهم المعيشية دون اللجوء إلى الأساليب الهابطةمبادرات التمويل الجماعي لدعم الأغنية الوطنية الجادة من خلال منصات رقمية تتيح للجمهور رعاية الفنانين المبدعينعلى المستوى الإعلامي والثقافيإطلاق حملات توعوية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل لتعريف الجمهور بخطورة الأغنية الطائفية والعنصرية على النسيج الاجتماعي وكذلك الاغنية التى تذخر بالايحاءت الجنسية.
إحياء المسابقات الوطنية للأغنية تهدف لاكتشاف المواهب الشابة وتوجيهها نحو الإنتاج الهادف مع جوائز مجزيةتوثيق التراث الغنائي الوطني وإتاحته مجاناً على المنصات الرقمية ليكون بديلاً جاذباًتأسيس مرصد الأغنية السودانية يكون مستقلاً يرصد الانتهاكات في الخطاب الغنائي ويُصدر تقارير دورية مع تقديم بدائل إيجابيةشراكات مع منصات رقمية عالمية لحملات ترويجية للأغنية الوطنية السودانية في المحافل الدوليةالخلاصة أزمة هوية في زمن الانهيارما نراه هو تحول جذري من الغناء الوطني الذي كان يشكل وجدان الأمة إلى أنماط غنائية مثيرة للجدل هذا التحول ليس مجرد انحطاط فني بقدر ما هو مرآة لانهيار المجتمع السوداني في خضم حرب لم تسفر إلا عن دمار وتشرد وفقر وتمزق للنسيج الاجتماعيإن ما يسمى بأهازيج عصر الحرب هو مزيج متناقض من رفض الحرب وألم النزوح من جهة ومن الإحباط والتطبيع مع الخراب والبحث عن منفذ نفسي من جهة أخرى ومع ذلك فإن استمرار وجود أصوات وطنية أصيلة مثل أغاني النوستالجيا والمقاومة يبعث على الأمل ويؤكد أن روح السودان الغنائية الأصيلة لم تمت بعد.
الخلاص الحقيقي يبدأ بعد ان تضع الحرب اوزارها باذن الله ثم بإرادة جماعية لإعادة بناء المؤسسات الثقافية والفنية مع احترام حرية الإبداع وعدم الخلط بين التقييم النقدي والإقصاء.
الأغنية الوطنية السودانية التي وحدت الشعب في وجه الاستعمار والاستبداد قادرة بإذن الله على النهوض مجدداً من تحت الرماد.
د.
عوض النقر بابكر محمد- المملكة العربية السعودية- الرياض -966537626864.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك