لم يعد عيد الأضحى بالنسبة لآلاف السوريين في مصر كما كان في السنوات الماضية.
فالمناسبة التي اعتادوا إحياء تفاصيلها بطقوسهم الخاصة، من شراء الملابس الجديدة إلى إعداد الحلويات واستقبال الضيوف، تأتي هذا العام في ظل واقع مختلف تفرضه حملة التضييق على الأجانب، وما رافقها من توقيفات وترحيل، الأمر الذي خلق حالة عامة من القلق وعدم الاستقرار.
وفي أحياء ومدن عُرفت بكثافتها السورية، مثل السادس من أكتوبر والعبور والعاشر من رمضان، تغيّرت ملامح المشهد بشكل واضح.
فقد أغلقت بعض المحال أبوابها، فيما خفّضت أخرى نشاطها إلى الحد الأدنى، بالتزامن مع اختفاء عدد كبير من الزبائن، إمّا بسبب المغادرة، أو نتيجة الخوف من الحركة والإنفاق.
وفي هذا التقرير، يسلّط موقع تلفزيون سوريا الضوء على أجواء العيد، حيث فضّل جميع من تواصل معهم الموقع عدم الكشف عن هوياتهم، لأسباب أمنية تتعلق بسلامتهم الشخصية وسلامة عائلاتهم التي لا تزال في مصر.
تجارة تتراجع.
محال تُغلق وأخرى تنتظر مصيرهاعلى مدار سنوات، نشأت في مصر سوق شبه متكاملة موجّهة للسوريين، خصوصاً في قطاع الألبسة، حيث ظهرت محال متخصصة بتقديم موديلات تتناسب مع الذوق السوري، المختلف في تفاصيله عن المصري، سواء من حيث القصّات أو الألوان أو طبيعة اللباس في المناسبات.
هذا التمايز خلق طلباً مستقراً، وجعل من تلك المحال نقطة جذب للسوريين، خاصة في مواسم مثل العيد.
إلا أن هذا الاستقرار بدأ يتآكل تدريجياً، قبل أن يتسارع التراجع مؤخراً بفعل الإجراءات الأمنية.
وفي هذا السياق، قال صاحب محل ألبسة غادر مصر مؤخراً إلى سوريا، إن قرار الإغلاق لم يكن مرتبطاً بالخسارة التجارية بقدر ما كان مدفوعاً بالخوف، إذ إنه لا يملك إقامة سارية، فيما كان موعده لدى مفوضية اللاجئين للحصول على إقامة" الكرت الأصفر" بعيداً جداً، ما دفعه إلى تصفية متجره بسرعة وبخسارة كبيرة خشية التوقيف أو الترحيل.
وأضاف أن عملية البيع لم تكن طبيعية، بل أشبه بتصفية اضطرارية، إذ باع البضائع بأسعار تقل كثيراً عن تكلفتها، فقط لتأمين سيولة سريعة تتيح له المغادرة.
ويصف هذه المرحلة بأنها" الأصعب"، لأنها تعني خسارة سنوات من العمل خلال أيام.
البقاء ليس خياراً مريحاً أيضاًولا يبدو البقاء في مصر خياراً أفضل بالضرورة، فعدد من التجار الذين يمتلكون إقامات قانونية يواجهون معضلة مختلفة تتمثل في الركود الحاد في السوق، وعدم القدرة على تصريف البضائع.
وقال أحدهم لموقع تلفزيون سوريا إنه يملك مخزوناً كبيراً من الملابس استورده استعداداً لموسم العيد، لكنه لم يتمكن من بيع سوى نسبة محدودة منه، في ظل تراجع عدد الزبائن، خاصة بعد سفر أعداد كبيرة من السوريين إلى بلادهم نتيجة حملة التضييق الأخيرة.
وأشار إلى أن فكرة العودة إلى سوريا ما تزال معقّدة، في ظل ضعف القدرة الشرائية هناك وغياب بيئة مستقرة لإعادة الاستثمار، ما يجعله" معلّقاً" بين خيارين يحمل كلٌّ منهما خسائر مؤكدة.
طقوس العيد تتلاشى تدريجيامنذ قدوم السوريين إلى مصر، ارتبطت أجواء العيد لديهم بعادات استهلاكية واضحة، تبدأ بشراء الملابس الجديدة، ولا تنتهي عند تجهيز الضيافة، التي تشمل الحلويات التقليدية مثل المعمول وكعك العيد، إلى جانب الشوكولاتة والسكاكر والمكسرات والبزر، التي تُعدّ عنصراً أساسياً في استقبال الزوار.
وفي السنوات الماضية، كانت هذه الطقوس تنعكس بوضوح في الأسواق، حيث تشهد المحال السورية إقبالاً كثيفاً، خاصة في الأيام التي تسبق العيد.
غير أن هذه الصورة تغيّرت بشكل لافت هذا العام.
ويؤكد أصحاب محال الحلويات أن حركة البيع انخفضت إلى النصف تقريباً، ليس فقط من حيث عدد الزبائن، بل أيضاً من حيث حجم المشتريات.
فحتى من لا يزالون في مصر باتوا يميلون إلى تقليل الإنفاق، في ظل حالة عدم اليقين، إضافة إلى عودة كثير من أقاربهم إلى سوريا.
وأشار أحد أصحاب المحال إلى أن التحضيرات للعيد كانت هذا العام" حذرة جداً"، إذ جرى تقليل الإنتاج إلى الحد الأدنى لتجنب الخسارة، خصوصاً مع صعوبة تصريف الكميات الزائدة.
وفي هذا السياق، قالت سيدة سورية تقيم في منطقة العبور إنها لم تُحضّر الحلويات ولم تشترها، لأن جميع من تعرفهم من الأصدقاء والأقارب غادروا إلى سوريا، وأضافت: " في هذا العيد لن يزورنا أحد، وسنقضيه في المنزل، فقد رحل جميع من حولنا".
ولا يختلف الوضع كثيراً لدى أصحاب المحامص (متاجر بيع الشوكولا وتحميص المكسرات والقهوة)، الذين يعتمدون تقليدياً على موسم العيد لتحقيق جزء كبير من أرباحهم السنوية.
فمع تراجع عدد السوريين وانخفاض الطلب، تحوّل الهدف من تحقيق الأرباح إلى تقليل الخسائر.
ويقول أحد أصحاب المحامص إنه بدأ بالفعل ببيع البضاعة بأسعار منخفضة لتصفيتها، استعداداً لإغلاق المحل بعد العيد، مضيفاً أن القرار لم يكن سهلاً، لكنه أصبح" ضرورياً" في ظل غياب الزبائن وارتفاع التكاليف.
بعيداً عن الأسواق، يمتد تأثير الواقع الحالي إلى داخل البيوت السورية، حيث تعيش العديد من العائلات حالة من التوتر المستمر بسبب الخوف من التوقيف أو الترحيل، خاصة لمن لا يملكون إقامات قانونية.
ورغم اقتراب العيد وتفاؤل كثير من السوريين بتوقف الحملة الأمنية، فإن ذلك لم يحدث، إذ أكد عدد منهم استمرارها بوتيرة واسعة.
وفي هذا السياق، تحدثت شابة سورية تقيم في مصر عن توقيف زوجها قبل العيد، من دون معرفة مكان احتجازه، لتبقى مع طفلتيها وحيدات، بعدما غادرت عائلتها وعائلة زوجها إلى سوريا قبل شهرين خوفاً من التوقيف.
وأوضحت أن زوجها لم يغادر مصر بسبب عدم امتلاكهما منزلاً أو فرصة عمل في سوريا، فاختار البقاء والمخاطرة، قبل أن ينتهي الأمر بتوقيفه.
وأضافت أن زوجها كان يعمل على استخراج إقامة استثمار، لكنها لا تعرف ما إذا كان ذلك سيشفع له أم سيُرحَّل، ما يضعها أمام حالة من الحيرة والقلق.
خيارات محدودة ومستقبل غير واضحفي ظل هذه الظروف، تبدو الخيارات المتاحة أمام هذه العائلات محدودة للغاية.
فالعودة إلى سوريا قد لا تكون ممكنة أو آمنة اقتصادياً، فيما يحمل البقاء في مصر مخاطر مستمرة.
وبين محال أُغلقت أو خفّضت نشاطها، وأسواق فقدت زخمها المعتاد، وعائلات تعيش تحت ضغط القلق، يبدو العيد هذا العام مختلفاً بالنسبة للسوريين في مصر.
فالمناسبة التي كانت تحمل معنى الفرح والتواصل، تحوّلت لدى كثيرين إلى لحظة حسابات صعبة، تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الخسائر الاقتصادية وضبابية المستقبل.
وبين البقاء بتكاليفه المرتفعة، والعودة بخسائرها ومخاطرها، يجد كثير من السوريين أنفسهم في مساحة ضيقة من الانتظار، من دون مؤشرات واضحة على تحسّن قريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك