أول إنجاز حقّقه رئيس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي، منذ أدائه القسم في البرلمان، أنّه سجّل اسمه في قائمة الأرقام القياسية باعتباره أصغر رئيس وزراء في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
ويترقّب العراقيون الخروج من المرحلة الضبابية للبدايات، ورؤية إنجازات أخرى تتجاوز التصريحات اللافتة التي قال ما يشبهها رؤساء الوزارات السابقون، مثل إعلان الزيدي نهاية المرحلة الاشتراكية في الاقتصاد العراقي، والاعتماد الكلّي على" اقتصاد السوق".
وهي تصريحات لا تكلّف شيئاً، ولن يسعى أحد إلى متابعة تطبيقها فعلياً.
وجود رئيس وزراء شابٍّ في رأس السلطة التنفيذية في العراق أمرٌ لافت في كلّ الأحوال، حتّى إن لم تضمّ حكومته سوى وزيرين شابّين: مصطفى جبّار سند (وزارة الاتصالات)، وسروة عبد الواحد (وزارة البيئة).
وعلى أيّ حال، لا يمكن لأحد أن يقاوم الإيحاء بأنّنا أمام مرحلة جديدة، حتّى إن أثبتت الوقائع لاحقاً أنّها ليست كذلك، فمن يدري؟تُظهر إحصاءات دولية عديدة أنّ نحو 60% من سكّان العراق من فئة الشباب، وهؤلاء، مثل الزيدي، نشأوا وكبروا بعد عام 2003، إذ كان الزيدي في الصفّ الأخير من المرحلة الثانوية حين دخل الاحتلال الأميركي وأسقط نظام صدّام حسين.
نشأ الزيدي وجيله والأجيال اللاحقة في أجواء مختلفة عمّا عايشته الأجيال السابقة: الاستقطاب الطائفي، ثمّ الحرب الأهلية، وكارتيلات الفساد والمال السياسي، وتداخل الشأن العراقي بقوّة مع الملفّات الإقليمية، والتنازع الإيراني– الأميركي على الساحة العراقية.
إنّ تقدّم هذه الأجيال الشابّة إلى مواقع القرار الاقتصادي والأمني والسياسي أمرٌ لا مفرّ منه، حتّى إن كان دخولها وترقّيها في المناصب يتمّان ببطاقة مرور من الأحزاب المهيمنة حالياً.
مع هذا، لن تبقى محكومة بالمواضعات الفكرية والأيديولوجية لهذه الأحزاب، لأنّها تعيش زمناً ورهانات مختلفة.
تكوّنت رؤية الأحزاب المؤسِّسة للنظام السياسي الجديد بعد عام 2003 في فضاء يبدو اليوم قديماً جدّاً، يعود إلى عقد الستينيّات وما بعده، في مرحلة توازنات الحرب الباردة وصعود الإسلام السياسي بأحلام عريضة في أن يكون بديلاً من اليساريين والقوميين الذين كانوا يهيمنون على الفضاء الاجتماعي، الثقافي والسياسي، في تلك المراحل.
ثمّ جاءت الثورة الإسلامية في إيران لتمنح هذه الأحزاب إطاراً جديداً وشعاراً أكثر حسماً (لا شرقية ولا غربية.
)، غير أنّ الأشياء تأخّرت في العراق كثيراً.
فالثورة الإيرانية مرتبطة بقوّة (حتّى مع إنكار قادتها ذلك) بالأرض الإيرانية ومعطياتها الثقافية والاجتماعية، وبتصوّرات النُّخب المهيمنة فيها، الحساسية الوطنية نفسها تجاه فكرة الاستقلال ورفض الهيمنة، حتّى إن قاد ذلك إيران إلى العزلة والعقوبات الاقتصادية.
وها هي التجربة الإيرانية كلّها تصل إلى منعطف حاسم، وكأنّنا على أعتاب غروب الثورة الإسلامية لمصلحة الحفاظ على الدولة.
أمّا في العراق، فلم يحصل الإسلاميون على فرصة لتطبيق تصوّراتهم على الأرض إلا في ظلّ فقدان السيادة واحتلال البلاد، ثمّ لم تتح لهم الضرورات البراغماتية فرصة الحكم المنفرد، حتى مع تسيّد المجموعات الإسلامية الشيعية على القرار العراقي في السنوات الماضية.
وحتّى ما قبل الحرب أخيراً، كان يمكن لأحد قادة هذه الأحزاب أن يدّعي نهاية المعركة، وأنّهم سيطروا على الحكم في العراق أخيراً، غير أنّ ثمن هذا كان انهيار مشروع بناء الدولة، وتبخّر وعود النظام السياسي كلّها، النظام الذي بدأ عهده في 2003 ولم يتبقَّ منه سوى سطوة السلطة التي لا يتعامل معها المواطن العادي بتعاطف أو امتنان.
الأجيال الشابّة لا ترى نفسها ملزمةً بهذا التراث، ولا بأحلام أيديولوجيا الستينيّات والسبعينيّات المُجهَضة، وقدّمت عرضاً باهراً في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 عن الرفض الشامل للنظام بكلّ مواضعاته، بينما كان شبابٌ آخرون يحملون السلاح دفاعاً عن النظام في مواجهة أقرانهم المتظاهرين الذين أُطّروا بوصفهم أعداءً.
يثق هؤلاء الشباب المسلّحون اليوم أمام هوّة معتمة يرونها تبتلع العقائد والأيديولوجيات ببطء وثبات، لمصلحة" البراغماتية" التي صار الجميع يعلنها صراحةً.
وربّما سيرون قريباً أنّ أقرانهم الذين سقطوا بنيران أسلحتهم في ساحات التظاهر كانوا على حقّ، إلا إذا انقشع غبار البراغماتية عن شيء حقيقي يتجاوز مجرّد الكلام والوعود المعسولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك