توضح الإحصاءات والتقارير تراجعاً حادّاً في الثروة الحيوانية المصرية، إذ تراجع عدد رؤوس الماشية بكل أنواعها من 18 مليون رأس، وهو رقم متدهور أصلا، إلى أقل من تسعة ملايين رأس في سنوات معدودة.
وفي ظاهرة تعجز حتى أعتى الأزمات العالمية عن تفسيرها ما لم تكن هناك أخطاء كارثية في السياسات، لم يقتصر الأمر على الماشية، فأخيراً أثارت تصريحات لنقيب الفلاحين حسين أبو صدام عن تراجع عدد الحمير وفقدان قرابة مليوني حمار، موجة سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فماذا حدث للثروة الحيوانية في مصر إذن؟صحيحٌ أن مصر عانت من أزمات عنيفة جرّاء الحرب الروسية الأوكرانية، حيث المصدر الأكبر للذُرة والأعلاف.
ولكن حتى أوكرانيا نفسها التي ترزح تحت الحرب لم تتراجع ثروتها الحيوانية بهذا الشكل، رغم هجرة ملايين الأوكرانيين، مزارعين وغير مزارعين، سواء إلى أوروبا أو دول الجوار.
ضربت أزمة تضخم حادّة أسعار الأعلاف في مصر عبر العشرية السوداء الماضية، فبينما كان المواطن يشتري جوال العلف زنة 50 كيلوغراماً بأقل من 50 جنيها في عام 2013، فإنه الآن يشتري الجوال نفسه بجودة أقل بأكثر من 750 جنيها.
وبرغم أن مصر من أكبر منتجي الذرة عربياً وأفريقياً وصاحبة واحدة من أعلى معدلات الإنتاجية في الذرة والقمح عالمياً، إلا أنها لا تزال تعاني من نقصٍ حاد في المحصولين، بحيث لا يكاد يكفي الإنتاج نصف الاحتياجات المحلية، وبالتالي هي تقع ضمن فئة أكبر مستوردي السلعتين الاستراتيجيتين، فما الذي حدث إذن؟الكارثة الأكبر أن الدولة باعت أكبر مصانع الأسمدة، وهذه أهم مكون في مدخلات الإنتاج الزراعي، لشركات عملاقة خليجية استحوذت على هذه الصناعةنظرة على مخصّصات دعم الزراعة والمزارعين في الموازنات المصرية آخر عشر سنوات كفيلةٌ بأن تشرح جزءاً مهماً من الموقف، حيث تراجعت قيمة الدعم الفعلية بسبب التضخم وتراجعت مخصّصاته كثيرا بسبب السياسات التقشفية التي تفرضها المؤسّسات المالية الدولية بالتوازي مع التوسّع الشره في القروض، حيث ضاعفت مصر دينها الخارجي عدّة مرات في عقد واحد، من دون اكتراث لخطورة هذا على اقتصاديها، الكلي والجزئي، ومن دون أدنى اكتراثٍ لأثر هذا الأمر على صغار المزارعين المصريين.
وعندما يطالع المرء أسعار استيراد أردب القمح من الخارج، والتي تكاد تكون ضعف سعر توريده في الداخل في بعض المواسم الزراعية تنتابه حيرة من هذه السياسة، ما إذا كانت الحكومة المصرية، وهي المشتري الأكبر للقمح، تدعم المزارع الأوروبي أو الآسيوي على حساب المزارع المصري.
أدلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتصريحات شديدة الصراحة والوضوح في استحالة تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر، وسار بعضهم يبرّرون هذا بأن هدف الاكتفاء الذاتي غير واقعي وغير ممكن، لحاجة مصر من المياه والعجز المائي الكبير الذي يضعها ضمن خطوط الفقر المائي.
والحقيقة أن هؤلاء يقفزون على عدة حقائق، وأولها أن هناك شعوباً وبلداناً حققت هذا الاكتفاء الذاتي وسدّت فجوات الاستهلاك في أقل من عقد بسياسات رشيدة، كما أن مراكز البحوث الزراعية المصرية وكثيرين من أساتذة الجامعات المصريين طوّروا بذوراً مقاومة للجفاف، ويمكن تعميمها بشكل كبير إذا توافرت الإرادة السياسية.
وهناك عشرات الفيديوهات لأساتذة من كليات الزراعة المصرية تشير، وبشكل عملي وبإثبات من الحقل، إلى إمكانية زراعة هذه الأصناف في الصحراء بأقل كلفة ممكنة، كما أنه إذا لم يكن الاكتفاء الكامل هدفاً ممكناً، فعلى الأقل ليكن لديك هدف تحقيق أعلى معدّلات اكتفاء ذاتي ممكنة.
بينما يبرّر آخرون هذا بالنمط الغذائي المصري، والذي لديه أزمة كبيرة فعليا، فالمصريون ربما أكثر الشعوب استهلاكا للقمح والبقوليات، باعتبارها المصدر الأرخص للبروتينات والغذاء في مجتمع يعتبر الخبز مرادفاً للعيش من شدة فقره، فالسياسات النيوليبرالية أسقطت ثلثي المصريين تحت خط الفقر أو على حافته ولا مناص من الطعام الرخيص لسد الحاجة للغذاء لهؤلاء ولا سبيل لتغيير نظامهم الغذائي لنظام صحي إلا برفع مستويات دخولهم، وهذا أمر لا يبدو أنه على أجندة الحكومة المصرية، فلم تكافح الفقر، ولم ترفع الأجور الحقيقية للمصريين منذ عقد ونصف العقد.
إذا سألتني عن علاقة القمح والنمط الغذائي بالإنتاج الحيواني، الجواب ببساطة أن زراعة القمح إذا كانت غير مجدية للمزارعين المصريين لن يزرعوه، وعدم زراعته أو كفايته جعل وسيجعل أسعار التبن الذي هو أكثر من 75% من مخرجات زراعة القمح مرتفعة للغاية، وهذا هو الحال في العامين الأخيرين، فأسعار التبن تضخّمت بشدة، حتى أن هناك من يعتبر التجارة في التبن أكثر ربحية من الذهب، ويدللون على هذا بالأرقام في مواقع التواصل الاجتماعي، وهم محقّون، فالذهب لم ولن يتضاعف بنسب تصل إلى 1000% في أقل من عام، والعلف والتبن أساس الإنتاج الحيواني.
نحن أمام دولة منسحبة من دعم الزراعة والمزارعين، وفي الوقت نفسه تتركهم ضحايا لسياسات السوق المجحفةالكارثة الأكبر أن الدولة باعت أكبر مصانع الأسمدة، وهذه أهم مكون في مدخلات الإنتاج الزراعي، لشركات عملاقة خليجية استحوذت على هذه الصناعة، وامتنع بعضها عن توريد الحصص للسوق المحلي تارة بدعوى أنهم أحرار رغم الشروط والاتفاقات التي كانت على عاتق هذه المصانع، مثل أبوقير للأسمدة (أحد أكبر مصانع الأسمدة في المنطقة إن لم يكن أكبرها)، والذي كان ملتزما بتوريد 60% من الإنتاج لوزارة الزراعة وللتعاونيات الزراعية التابعة لها، وتارّة تحجّج بأزمة الطاقة، حيث رهنت السياسات الفاشلة استيراد الغاز بيد إسرائيل، العدو الاستراتيجي لمصر، والتي قطعت إمدادات الغاز بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، رغم أن أياً من منصّات الغاز لم تتأثر بالحرب، بل ذهبت الحكومة المصرية الرشيدة إلى إبرام عقد بقيمة 35 مليار دولار مع الاحتلال، بحيث يرتهن قطاع الطاقة للعدو عقوداً، بدلاً من البحث عن تنويع فعلي لمصادر الطاقة وتعزيز الاستكشافات ومراجعة الاتفاقيات مع الشركاء والشركات العاملة في القطاع.
إذن، نحن أمام دولة منسحبة من دعم الزراعة والمزارعين، وفي الوقت نفسه، تتركهم ضحايا لسياسات السوق المجحفة، والتي تجعل تربية الماشية أمراً عسيراً، وتدمر القطاع الزراعي بسياساتها تلك، وفي الوقت نفسه، تعتمد سياسة شراء العبد خير من تربيته، عبر تشجيع احتكار استيراد اللحوم من خلال شركات تابعة للجيش، أو حتى مورّدين منتفعين، يربحون أضعاف ما يربحه صغار المزارعين من تربية الماشية، وقد ضاعفوا بلا سبب أسعار اللحوم المستوردة عبر عقد، رغم أنها غير مرتفعة في بلدان منشأها، ما يثير علامات استفهام كثيرة.
قبل عشرة أعوام، كانت أسعار الأضاحي من الخراف لا تزيد على ألفي جنيه مصري، بينما لا تقلّ حالياً عن 15 ألف جنيه.
وكان ملايين الفقراء من المصريين ينتظرون عيد الأضحى للحصول على كيلوغرام من اللحم، تضاعفت أعداد الفقراء ونسبتهم وتضاعفت معهم أسعار اللحوم، وضعفت قدرة صغار المربين على تحمل كلفة تربية المواشي، فوصل الحال إلى الوضع الحالي الذي يحتاج إعادة تفكير جذرية، سواء في السياسات الزراعية أو الغذائية، أو حتى سياسات الأجور وآليات مكافحة الفقر، وإلا نحن أمام أجيال ممن يحملون فقر الدم وفقر التفكير والتقزم وسوء التغذية، وهو ما لا يبشّر بخير لمستقبل هذه البلاد، حفظها الله، وحفظ المسؤولين عن خرابها في ثلاجة الموتى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك