برزت في المشهد السياسي في المغرب، في الآونة الأخيرة، تحركات لأحزاب اليسار المعارض من أجل التنسيق بينها انتخابياً وسياسياً، وذلك في توجه ومحاولة جديدة للمّ شمل اليسار، الذي يوصف تاريخه بأنه تاريخ الانشقاقات لا الوحدة.
وفي خطوة لافتة، أعلنت أحزاب" فيدرالية اليسار الديمقراطي"، والحزب الاشتراكي الموحد وحزب النهج الديمقراطي، عقب اجتماع مكاتبها السياسية في 22 مايو/ أيار الحالي، عن الاتفاق على" إطلاق مبادرات نضالية ميدانية مشتركة خلال المرحلة المقبلة، بداية بتنظيم مهرجان نضالي وطني حول ملف الاعتقال السياسي، والمطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ووقف المتابعات ذات الخلفيات السياسية، واحترام الحقوق والحريات الأساسية؛ وذلك بمناسبة ذكرى انتفاضة 20 يونيو/ حزيران 1981 بمدينة الدار البيضاء".
وفي وقت يعاني فيه اليسار المغربي، منذ سنوات، من حالة التشظي والضعف، جددت الأحزاب الثلاثة دعوتها كافة القوى الديمقراطية والحقوقية والمدنية إلى" الانخراط في دينامية نضالية وحدوية واسعة دفاعاً عن الحريات العامة وعن الحقوق، وعلى رأسها حق الشعب المغربي في الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية".
وبينما جاء الاجتماع بعد حوالي عقدين من الزمن، كان لافتاً إصرار الأحزاب الثلاثة" على العمل النضالي الوحدوي لمواجهة الفساد والاستبداد".
وتأتي تحركات الأحزاب الثلاثة بعد إعلان" فيدرالية اليسار الديمقراطي" و" الحزب الاشتراكي الموحد"، في 12 مايو الحالي، تحالفهما الانتخابي استعداداً لتشريعيات المغرب المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، وذلك في خطوة قد تقوي حظوظ اليسار في المشهد البرلماني المقبل.
وفي وقت يعاني فيه اليسار المغربي، منذ سنوات، من حالة التشظي والضعف، يثير الإعلان عن التنسيق بين" فيدرالية اليسار الديمقراطي" و" الحزب الاشتراكي الموحد" و" النهج الديمقراطي" (غير ممثل في البرلمان)، أكثر من علامة استفهام حول دلالات هذه الخطوة في ظل وجود تجارب سابقة انتهت بالفشل.
في هذا السياق، رأى الناشط السياسي والحقوقي محمد الغفري أن الاجتماع الثلاثي" يجسد دلالة سياسية ورمزية كبيرة، لا سيما أنه يأتي في وقت حساس سياسياً واجتماعياً في المغرب"، موضحاً أن اللقاء" يتجاوز التنسيق المؤقت أو الأنشطة الحزبية العابرة، ليعيد طرح سؤال الوحدة النضالية والعمل المشترك بين اليسار المغربي باعتبارهما حاجة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وتحدياتها المتعددة".
وقال الغفري لـ" العربي الجديد"، إن عقد هذا الاجتماع يأتي" في وقت تتزايد فيه التراجعات الحقوقية والاجتماعية، ويتواصل قمع الحريات العامة، مع تفشي المتابعات السياسية وتفاقم الأوضاع المعيشية لفئات كبيرة من الشعب بسبب الغلاء، فضلاً عن تزايد عدم الاستقرار الاقتصادي وارتفاع الفجوات الاجتماعية"، معتبراً أن هذه الظروف تجعل توحيد الجهود الديمقراطية والتقدمية أمراً ملحاً أكثر من أي وقت مضى.
وأضاف: " من هنا تبرز أهمية توسيع هذه الدينامية لتشمل الامتدادات المجتمعية للأحزاب الثلاثة داخل الحركة الحقوقية والنقابية والجمعوية والثقافية والطلابية والنسائية، وكذلك مختلف الشبكات التقدمية والمدافعة عن الحقوق والحريات"، واعتبر أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تقتصر على مضمون البيان المشترك فحسب، بل تتعداه إلى" الرسالة السياسية التي يحملها هذا اللقاء التاريخي بعد سنوات من التباعد داخل المشهد اليساري".
ولفت إلى أن الاتفاق على إطلاق مبادرات ميدانية مشتركة يعد خطوة عملية مهمة، مؤكداً أن التنسيق ينبغي ألا يقتصر على البيانات والمواقف، بل يجب أن يتحول إلى فعل نضالي ميداني مستمر قادر على الاهتمام بقضايا الشعب المغربي والدفاع عن الحقوق والحريات، وشدد في هذا السياق على أنه" لكي لا تبقى هذه المبادرات أثراً عابراً، يجب تأسيس آليات واضحة للحفاظ على الوحدة وضمان استمراريتها ولتحويل اللقاء إلى مسار مستدام".
اليسار أمام" اختبار حقيقي"من جهته، اعتبر رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب رشيد لزرق، في حديث مع" العربي الجديد"، أنّ" محنة اليسار اليوم ليست في تحالفاته الانتخابية وحدها، بل في قدرته على تحويل هذه التحالفات إلى مشروع سياسي واجتماعي واضح، قادر على مخاطبة المجتمع بلغة جديدة ومقنعة".
وقال لزرق إن اليسار يواجه" اختباراً حقيقياً لقدرته على استعادة موقعه قوةَ اقتراح وممانعة، وخياراً ثالثاً بين المحافظة الاجتماعية التي تعرقل التحول الحداثي، والرأسمالية المتوحشة التي تختزل المواطن في منطق السوق والاستهلاك".
وأكد أن" الحاجة إلى يسار ديمقراطي، اجتماعي، حداثي، ومنحاز للفئات الشعبية، ما زالت قائمة، بل أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الثقة في السياسة، وضعف الوساطة الحزبية"، مبيناً أن" المطلوب اليوم هو تجديد اللغة، والقيادات، وطرق الاشتغال، وآليات القرب من المواطنين، وصياغة برنامج ملموس يجيب عن أسئلة الشغل، والصحة، والتعليم، والسكن، والعدالة الاجتماعية، والكرامة.
فالمواطن لا يبحث فقط عن حزب يحتج باسمه، بل عن قوة سياسية تقدم حلولاً قابلة للفهم والتنفيذ، وتربط بين النقد والمقترح، وبين الموقف الأخلاقي والفعالية السياسية".
لذلك، فإن رهان اليسار في المرحلة المقبلة لا يكمن، بحسب لزرق، في إعلان التحالف بقدر ما يكمن في تحويله إلى دينامية مجتمعية واسعة، ورأى أن الخروج من المحنة لا يمر فقط عبر وحدة تنظيمية، بل عبر إعادة بناء الثقة مع الفئات الشعبية، وربط الخطاب اليساري اليومي بمعيش الناس، وتحويل التحالف من مجرد ترتيب انتخابي إلى أفق سياسي يعيد الاعتبار لمعنى السياسة باعتبارها دفاعاً عن العدالة والحرية والكرامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك