تبرأ بابا الفاتيكان هذا الأسبوع من نظرية رئيسية كانت الكنيسة الكاثوليكية تتبعها منذ القرن الخامس الميلادي لتقييم الحالات التي يكون فيها شن حروب مبررا، وجاء التنصل في وثيقة رئيسية للبابا ليو قدم فيها أوضح اعتذار حتى الآن عن الدور التاريخي للكنيسة في دعم تجارة الرق، وفي تبرير الحروب، معتبرا أن فكرة «الحرب العادلة» أصبحت بالية الآن، مطالبا بالعمل بدلا من ذلك «على تعزيز الحوار والدبلوماسية والمغفرة».
استنكر البابا في رسالته عدد الحروب الناشبة حاليا، وحذر من أن أرباح صناعة الأسلحة هي القوة الدافعة وراء الصراعات.
تأتي هذه الرسالة الواضحة بعد استشهاد مسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنهم جي دي فانس، نائبه، بنظرية الحرب العادلة لتبرير الحرب على إيران، وكان ترامب قد انتقد البابا بشدة قبل أشهر بعد انتقاده المباشر للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.
قدّم زهران ممداني، عمدة نيويورك، مثالا أيضا على كيفية ربط الرأسمال الرمزيّ للدين بالقضايا الإنسانية وذلك بمشاركته في صلاة عيد الأضحى، أول أمس الأربعاء، في حي برونكس.
دعمت النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، التي كانت موجودة، مسعى زهران، من اتجاه سياسيّ آخر وهو التعبير عن التضامن مع المسلمين حيث ارتدت الحجاب في مكان الفعالية.
أدى هجوم أوساط أمريكية يمينية ومحافظة إلى جدل واسع حول حضور الهوية الإسلامية في الفضاء العام، وحدود التعبير عن التضامن مع الجاليات المسلمة، ومفارقات تعامل التيارات اليمينية مع الرموز الدينية حين ترتبط بشخصيات سياسية تقدمية، وعلّقت رئيسة الحي الذي جرت فيه المناسبة، فانيسا غيبسون، على إقامة الصلاة في مساحة عامة (حديقة ماكومبس دام) هدف لتوفير بيئة مفتوحة وآمنة للجالية المسلمة نتيجة الكثافة السكانية في الحي وشدة الإقبال على أداء صلاة العيد جماعيا.
حصدت صور ومقاطع الفيديو التي وثقت مشاركة ممداني وكورتيز في الفعالية ملايين المشاركات على منصات التواصل الاجتماعي، وأدت إلى تفاعل واسع.
رأى مؤيدو ممداني في ظهوره رسالة انفتاح وتضامن، كما فعل النائب الديمقراطي ريتشي توريس الذي أكد أن حرية الدين قيمة أمريكية أصيلة، وأن الحرية التي ينص عليها التعديل الأول للدستور الأمريكي (الذي منع الكونغرس من فرض دين رسمي للدولة، ومن حظر ممارسة الأديان بحرية) إما أن تكون حقا مكفولا لجميع الأمريكيين أو لا تكون حقا لأحد.
في المقابل قام يمينيون ومحافظون بمهاجمة ما فعله ممداني، فاعتبر النائب الجمهوري راندي فاين أن المدينة «سقطت» في يد ما وصفه بـ»الإسلام السائد» محذرا من أن «أمريكا ستكون التالية».
تعرضت كورتيز أيضا لهجمات أشد باعتبار ما قامت به مجاملة سياسية واستعراضا للهوية أمام المسلمين وشككوا في انسجام ذلك مع خطابها حول حقوق النساء والنسوية، وركزت حسابات محافظة ومؤيدة لإسرائيل على تصوير الحجاب بوصفه رمزا لـ»قمع المرأة».
في حادثة ثالثة، قامت محكمة فرنسية بالحكم على الكاتب والباحث الفرنسي فرانسوا بورغا، المتخصص في دراسة التيارات الإسلامية، بغرامة بتهمة «تمجيد الإرهاب» وذلك بعد أن رفعت جهات داعمة لإسرائيل هذه القضية بسبب منشورات يدين فيها حرب إسرائيل على قطاع غزة، ومنها رده على مزاعم مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» بحدوث عمليات اغتصاب وعنف جنسي خلال هجوم مقاتلي «حماس» في 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023.
يذكر بورغا في مقابلة معه على قناة «الجزيرة» منعطفا فكريا جرى له حين كان يشارك في رحلة حج لمسيحيين فرنسيين إلى القدس مع خالته وهو ابن 16 عاما (1964) عندما التقى في مدينة أريحا طفلا فلسطينيا قال له «لقد أخذ اليهود أرضنا»، الأمر الذي هزه بشدة لأنه لم يكن يعرف أن الفلسطينيين سلبت منهم أرضهم، وهو ما شكل عنصرا في تفسيره وتحليله لظهور الحركات الإسلامية، رابطا إياه على خلاف نظراء شهيرين له، بالظروف الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة وليس بالنصوص الدينية والرجوع لتاريخ المذاهب الإسلامية.
لخّص الكاتب اليساري الإسرائيلي جدعون ليفي، في مقال نشر في صحيفة «هآرتس»، ما يمكن اعتباره نقطة تقاطع للوقائع الآنفة، بتفسير الغضب الشديد لليهود الإسرائيليين من احتفال الفلسطينيين بعيد الأضحى بقوله إنه عندما لا تكون حتى الأعياد متساوية، فيحتفى ببعضها وتُتجاهل أعياد الآخرين، بل ويستنكر حتى من وجودها، فإن ذلك يكشف الحقيقة العارية لدولة الفصل العنصري، لأن المساواة بين أعياد اليهود والمسلمين تتطلب النظر إلى العرب كبشر ورفعهم إلى مستوى اليهود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك