تحوّل نهر الفرات الذي كان قروناُ طويلة شريان حياة حضاراتٍ عديدة إلى مصدر قلق للسكان والسلطات في محافظات شمال شرقي سورية، إذ أعاد فيضانه إلى واجهة النقاش ملفات الأمن المائي، وهشاشة البنية التحتية.
تشهد ضفاف نهر الفرات في شمال شرق سورية إحدى أكبر موجات ارتفاع المنسوب المسجلة خلال العقود الأخيرة، نتيجة زيادة الواردات المائية القادمة من تركيا وغزارة الأمطار، ما ملأ البحيرات، وأوصل السدود إلى مستويات قاربت الحد الأقصى للتخزين، وتبعت هذا فيضانات واسعة في محافظتي الرقة ودير الزور.
غمرت المياه المنازل والأراضي الزراعية، خصوصاً في الحوائج والجزر النهرية، والمناطق المنخفضة القريبة من النهر، وخرجت أكثر من 60 محطة مياه عن الخدمة مؤقتاً في المحافظتين، وباشرت فرق الطوارئ إقامة سواتر ترابية في حويجة زهرة، والعنون، والبدر، والحمادة وغيرها من المناطق المهددة، كما خرجت عدة جسور عن الخدمة.
ولا تقتصر تداعيات الفيضان على الأضرار المادية، بل تمتد إلى أبعاد صحية وبيئية، فغمر محطات المياه وشبكات الصرف الصحي قد يؤدّي إلى تلوث مياه الشرب، وبالتالي انتشار الأمراض، بينما يهدّد تلف الأراضي الزراعية الأمن الغذائي لآلاف العائلات.
وتعاني مناطق واسعة على ضفاف الفرات من التلوث البيئي الناتج عن الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية، إلى جانب تراجع التنوع الحيوي وانحسار الغطاء النباتي.
ووسط حالة استنفار ميداني واسعة، زار الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، محافظة دير الزور رفقة وفد وزاري ضم وزراء الإدارة المحلية والطاقة والصحة والزراعة والأشغال العامة، للاطلاع على واقع الاحتياجات الإنسانية والخدمية.
كما أجرى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح جولات ميدانية على مواقع العمل في دير الزور والرقة لمتابعة خطط الاستجابة الطارئة، وأعلنت وزارة الطاقة السورية فتح ثلاث بوابات في سد الفرات للمرة الأولى منذ عام 1988 بهدف الحفاظ على سلامة السد وضبط الضغوط المائية.
كما أعلنت أمس السبت، إغلاق إحدى تلك بوابات سد الطبقة بالتزامن مع استمرار انخفاض الواردات المائية القادمة.
وأعلنت وزارة الإدارة المحلية، مساء الجمعة، أن لجنة الاستجابة للطوارئ في محافظة دير الزور، تواصل تنفيذ إجراءات إسعافية عاجلة لمواجهة ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات.
وأوضحت أن الأولوية القصوى تتركز على سلامة المواطنين عبر إخلاء المناطق المنخفضة والأكثر عرضة للغمر، وإيقاف حركة العبارات النهرية والمعابر غير الآمنة، وتدعيم الجسور، وحماية محطات المياه والبنية التحتية الحيوية.
وأضافت الوزارة أن" عمليات الإجلاء شملت عدداً من المناطق المعرضة للخطر، أبرزها حويجة صكر، وحويجة قاطع، وحويجة بومسعة، وحويجة البومعيش، والمراجدة".
وأفادت بأن" المياه غمرت الجسر الترابي في مدينة دير الزور، وجسر الميادين، فيما جرى تنفيذ خطة عاجلة لتدعيم جسر العشارة، ومعبر الطوارئ في البغيلية".
وبحسب المعطيات الفنية، وصلت كميات المياه الواردة من الجانب التركي إلى نحو ألفي متر مكعب في الثانية، بينما يجري تمرير نحو 1800 متر مكعب عبر منظومة السدود السورية، مع بلوغ نسب التخزين في البحيرات أكثر من 98.
5%.
وأكدت المؤسسة العامة لسد الفرات أن السدود مستقرة وآمنة، وأن الإجراءات الحالية تهدف إلى حماية المنظومة المائية فقط، ومنع تجاوز حدود الأمان التشغيلي.
ويرى مهندسون وخبراء مياه أن الفيضانات الحالية لا ترتبط بغزارة الأمطار أو فتح بوابات السدود فقط، بل تكشف أيضاً هشاشة التخطيط العمراني والهندسي في مناطق الفرات، فخلال العقود الماضية، وخصوصاً بعد عام 2011، توسع البناء العشوائي للمنشآت الزراعية والخدمية داخل الحرم الفيضي الطبيعي للنهر، كما أُقيمت محطات ضخ، وجسور، وسواتر ترابية في مناطق معروفة تاريخياً بأنها عرضة للغمر.
قال مدير مؤسسة سد الفرات، هيثم بكور، لـ" العربي الجديد"، إن" المؤسّسة هي المسؤولة عن إدارة موارد النهر منذ دخوله إلى الأراضي السورية حتى خروجه، ويتم التحكم في هذا من خلال السدود المقامة على النهر، وهي الفرات، وتشرين، والمنصورة.
أخبرنا الجانب التركي بأنه ستكون هناك موجة فيضان غير مسبوقة تصل إلى ألفي متر مكعب في الثانية لعدة أيام، وهذا لم يحدث سابقاً، إذ كانت أكبر كمية مررت إلى سورية نحو 1500 متر مكعب في الثانية قبل 15 عاماً.
هذه المستويات العالية من التدفقات يتوقع أن تستمر حتى (اليوم) الأحد، وتم استيعاب جزء من المياه عبر التخزين إلى الحد الأقصى، والتدرج في تمرير المياه".
وأضاف: " حذّرنا الأهالي، واتخذنا إجراءات لسلامة السكان والموارد العامة.
لكن التحدي الرئيسي يتمثل في التعديات على حرم النهر، وإقامة منشآت هناك، إضافة إلى إقامة جسور ترابية كحلول إسعافية في الفترة الماضية، وكلها تضررت نتيجة الفيضانات".
وقال الصحافي حسن الخلف، المقيم في مدينة الطبقة، حيث سد الفرات، لـ" العربي الجديد": " إذا كان الجانب التركي قد أبلغ الجانب السوري بحجم التدفقات الإضافية الكبير، فلماذا لم يتم تصريف جزء من مياه بحيرة الطبقة قبل وصول التدفقات، ما يتيح تخزين كميات أكبر من المياه القادمة في البحيرة؟ ولماذا لا يتم تصريف بعض المياه إلى الأودية المحيطة بالنهر لتخفيف التدفقات على مناطق شرقي النهر؟ ".
وكشف مدير الطوارئ في محافظة الرقة، رامي سلوم، لـ" العربي الجديد"، عن إخلاء مخيم البيت اليوناني، وتأمين بديل للقاطنين فيه، مؤكداً عدم وقوع أي ضحايا، وأن الجهات المعنية حذرت السكان مسبقاً، وتقديم النصح لهم بشأن كيفية التصرف.
وكشفت الأزمة هشاشة البنية التحتية، إذ تعرّضت عشرات محطات المياه لخطر التعطل أو الغمر، رغم أن هذه المنشآت يفترض هندسياً أن تُبنى بعيداً عن مناطق الخطر الفيضي، أو تتوفر لها أنظمة حماية.
وقال خبير السدود والموارد المائية عبد الرزاق العليوي لـ" العربي الجديد": " من المهم التنسيق المبكر بين تركيا وسورية بشأن أي إطلاق إضافي يتجاوز المنسوب الطبيعي للنهر، ما يتيح للسلطات السورية اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستقبال هذه الكميات، والحد من مخاطرها المحتملة.
هناك دور رئيسي لمديريات الموارد المائية في كل من حلب والرقة ودير الزور، في استيعاب كميات من هذه المياه ضمن شبكات الري في المحافظات الثلاث، ما يسهم في تخفيف الضغط على مجرى النهر، والاستفادة من المياه بالشكل الأمثل".
وأضاف: " حالات الغمر المسجلة لم تتجاوز محيط نهر الفرات وحرمه القانوني، وغالبية المتضررين هم من المتجاوزين على حرم النهر.
لا يوجد أي خطر على السدود، والحالة الفيضانية تحت السيطرة بفضل الجهود الفنية والهندسية والخطط التشغيلية المتبعة، لكن هناك ضرورة لوضع خطة استراتيجية وطنية لبناء سلسلة سدود على نهر الفرات، ما يضمن الاستفادة من مليارات الأمتار المكعبة من المياه التي تُهدر سنوياً نتيجة قلة السدود".
والفرات أحد أهم أنهار الشرق الأوسط، طوله نحو 2700 كيلومتر، وينبع من جبال طوروس في تركيا عبر رافدين رئيسيين هما مراد صو وقرة صو، ثم يعبر الأراضي السورية من جرابلس شمالاً إلى البوكمال جنوباً قبل دخوله إلى العراق، حيث يلتقي مع نهر دجلة ليشكلا شط العرب الذي يصب في الخليج العربي.
ويمر النهر داخل سورية بمحافظات حلب والرقة ودير الزور، وروافده الأساسية هي الساجور والبليخ والخابور.
وتعرف جزره النهرية باسم" الحوائج"، وتشكلت بفعل الترسبات الطينية خلال الفيضانات التاريخية، وتمتاز بغناها النباتي، واحتضانها أنواعاً من الطيور، وبعض الحيوانات البرية، مثل الضبع وابن آوى، والنمر الفراتي الذي انقرض تقريباً.
تاريخياً، نشأت على ضفاف الفرات حضارات زراعية، إذ شكل مع نهر دجلة قلب" الهلال الخصيب"، ومهد الزراعة المروية قبل أكثر من 12 ألف عام، وكان يعرف باسم" النهر الكبير"، كما مثل حدوداً سياسية بين إمبراطوريات كبرى، من الآشوريين والبابليين إلى الفرس والرومان، ووقعت على ضفافه معارك تاريخية حاسمة، أبرزها معركة كركميش (605 قبل الميلاد)، حين هزم نبوخذ نصر الكلداني فرعون مصر نخاو الثاني، وارتبط بالأديان السماوية، إذ ورد ذكره في النصوص المسيحية والإسلامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك