على وقع وحشية عمليات جيش الاحتلال في الجنوب اللبناني، خاصة الاعتداءات الواسعة التي تستهدف صور والنبطية، ومنها اليوم الأحد، بشكل لم تعرفه المدينتان في تاريخ الحروب الإسرائيلية على لبنان، خرج نداءان غير مسبوقَيْن على مستوى البيئة الشيعية الجنوبية، لحماية المدينتَين وتحييدهما عن القصف، ومطالبة الدولة اللبنانية بتثبيت حضورها بما يحفظ الأمن والاستقرار، لكن سرعان ما تعرّضا لحملة هجوم وتخوين دفعت ببعض المبادرين إلى سحب تواقيعهم.
ففي 29 مايو/أيار الجاري، أطلق عددٌ من سكان صور نداءً حمل تواقيعهم لمحاولة إنقاذ المدينة من التدمير المستمرّ من جراء العدوان الإسرائيلي، ورفعوا عدداً من المطالب، أبرزها إعلان صور مدينة مفتوحة خالية من السلاح، ونشر الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية داخل المدينة ومحيطها، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة فيها، وإطلاق الحكومة اللبنانية مبادرة دبلوماسية وسياسية عاجلة، عربية ودولية، لحماية مدينة صور التاريخية من التدمير والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
وبعد ذلك، تداعى عددٌ من أهالي وسكان مدينة النبطية وجوارها لإطلاق مبادرة شبيهة، ونداء للرؤساء الثلاثة والحكومة اللبنانية، لتحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية الملقاة على عاتقهم، وحماية النبطية من الدمار، وتحرير الأرض بالكامل، وإبعاد لبنان والجنوب عن سياسات المحاور وحروب الآخرين، رافعين كذلك المطالب نفسها المذكورة أعلاه، مع الاكتفاء بالإشارة إلى" إعلان مدينة النبطية ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة، تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وخالية من كل ما يعرّض أهلها للخطر".
وعلى الرغم من أن مبادرة شبيهة أُطلقت قبل أكثر من شهر لبيروت خالية من السلاح، ومبادروها من نواب وفعاليات المنطقة، إلّا أن هذين النداءين كان وقعهما أقوى كونهما صادرَيْن عن سكان المدينة، ومن أبناء الطائفة الشيعية، من ناشطين وحقوقيين وإعلاميين وممثلين وأساتذة، ومن بيئة يحاول حزب الله دائماً" احتكارها"، وفي وقتٍ يتزامن مع تعرّض المدينتَين لقصف واسع وعنيف، وهو ما عرّض الموقّعين لحملات عدّة وضغوط سياسية دفعت بعضهم إلى الانسحاب، ومنهم من تحدّث عن تشويه حصل وتحريف في مضمون النصّ، كما عمدت بعض المنصّات الإعلامية إلى تخوينهم واتهامهم بالتماهي مع الأهداف الإسرائيلية وتنفيذ الأجندة الأميركية، خاصة المؤيدة لحزب الله.
وأصدر رئيس منتدى صور الثقافي، ناصر فران، وهو كان بين الموقّعين على النداء، بياناً أوضح فيه أنه" عُرض عليه بيان باسم مواطنين من صور يدعو إلى إنهاء العدوان الصهيوني والدعوة إلى فعل كل ما يلزم لحماية صور والجنوب، وقد جرى نشر البيان قبل أن يبدي المنتدى ملاحظاته ومقترحاته عليه".
وأضاف: " منتدى صور إذ يثمّن هذه المبادرة وأهدافها الطيبة، كان يفضّل إجراء بعض التعديلات عليها بما يخدم الهدف منه".
من جانبه، انتقد رئيس تحرير موقع" يا صور" (مؤيد لحزب الله)، هيثم شعبان، النداء، خاصة لناحية المطالبة بإعلان صور مدينة مفتوحة وخالية من السلاح، معتبراً أنها مطالبة غير واقعية وتعكس فهماً غير دقيق لطبيعة الواقع القائم، مشيراً إلى أنه لا يوجد في مدينة صور سلاح أو بنى عسكرية معروفة، لافتاً إلى أن الأخطر أن العدو قد يجد في مثل هذه الدعوات مادة يستغلها لتبرير مزيد من الاعتداءات على صور، بحجة أن بعض أبناء المدينة أنفسهم يطالبون بإجراءات من نوع إخلاء السلاح.
في الإطار، يقول ناجي أبو خليل، أحد أبناء مدينة صور، ومن مطلقي المبادرة، لـ" العربي الجديد": إننا كمواطنين من سكان وأبناء صور، ومن أهواء سياسية مختلفة، وبعد القصف الإسرائيلي الأخير وغير المسبوق الذي تعرّضت له المدينة وما خلّف من دمار وتهجير واسعين، تداعينا إلى إطلاق نداء لحماية وإنقاذ المدينة، والتوجّه من خلاله إلى الحكومة اللبنانية عبر سلّة مطالب تحيّدها أقلّه عن دائرة الاستهداف.
ويشير أبو خليل إلى أن حجم الاستهداف الذي تعرّضت له صور لم تعرفه حتى في اجتياح عام 1978 أو حرب 1982 أو حرب يوليو/تموز 2006، ولا في حرب 2024 الموسّعة، والمخاوف في ظلّ التطورات الميدانية ترتفع من وجود نيّة لإلحاق دمار أكبر بالمدينة وتهجير أهلها بالكامل من قبل إسرائيل، وهو ما دفع بنا إلى التحرّك، ومطالبة الدولة بإطلاق مبادرة دبلوماسية عاجلة عربية ودولية لحماية مدينة صور التاريخية من الاعتداءات المتواصلة والتدمير، ونشر الجيش اللبناني والقوى الأمنية داخل المدينة ومحيطها وتعزيز حضور مؤسسات الدولة بما يحفظ الأمن ويحمي السكان، وإعلان مدينة صور مدينة مفتوحة خالية من السلاح بما يسمح بعودة أهلها وتأمين الحماية للنازحين، والسعي إلى وقف إطلاق النار في صور والجنوب على غرار العاصمة بيروت ومناطق أخرى، وتأمين ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والطبية.
وحول الهجوم الذي تعرّض له موقّعو النداء، ومنهم من أعلن انسحابه لاحقاً، يقول أبو خليل إن عدد الموقعين بلغ تقريباً نحو 150 شخصاً، أما الذين انسحبوا فلا يتخطّى عددهم عشرة أشخاص، علماً أن ردّات الفعل كانت متوقّعة، وبغض النظر عن الهجمة، فإن ما حصل فتح النقاش في المدينة بشكل صحي أيضاً حول الخطوات التي يمكن اللجوء إليها لوقف هذه الحلقة من الدمار والتهجير.
ويلفت أبو خليل إلى أننا نعوّل على سوابق نجحت فيها الدولة اللبنانية بتحييد بعض المناطق أو المرافق أو البنى التحتية، لتشمل كذلك مدينة صور والنبطية والجنوب، من دون أن ننسى أهمية الحفاظ على مدينة صور باعتبارها مركزاً للخدمات الصحية والاقتصادية والإنمائية، ومركزاً اليوم للنازحين وعددهم بالمئات، مشدداً على أن طموحنا يبقى بوقف نهائي للحرب وتحرير الأراضي اللبنانية بالكامل وفرض الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها.
من جانبها، تقول الكاتبة والصحافية بادية فحص، وهي من موقّعي" نداء النبطية"، لـ" العربي الجديد"، إن" النداء هو لمحاولة إنقاذ ما تبقى من الشيعة كطائفة ووجود، وما تبقى من حواضرها، خاصة بعدما رأينا المشهد في بنت جبيل، المؤذي وطنياً وعاطفياً، وللطائفة الشيعية بالذات، فالنداء هو بمثابة صوت استغاثة أو صرخة لمحاولة تجميع رأي دولي عربي إسلامي، وطبعاً رأي وطني للتحرّك السريع من أجل إنقاذ ما تبقى أو ما يمكن إنقاذه".
وتشير فحص إلى أن" هذه الفكرة موجودة منذ فترة لدى مجموعة من المعارضين الشيعة والمعارضين للحرب، فالبيئة الشيعية فيها بالأساس تمرّد، لكن المهمّ اليوم، وبغض النظر عن العدد، أن الاعتراض بات له إطار وعنوان وشخصية اعتبارية، وكيان فرض وجوده، بالأسماء والتواقيع، ولم يعد أصواتاً متفرقة"، لافتة إلى أن" نداءنا الذي أتى بعد نداء صور، جاء في ظلّ التدمير الواسع ومع وصول جيش الاحتلال إلى بلدات القضاء ومشارف النبطية الفوقا، ومع الاعتداءات التي طاولت قلعة الشقيف التاريخية، ما يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية تفرض علينا أن نرفع الصوت عالياً، بكل صراحة ومن دون مواربة".
وتلفت فحص إلى أنه عندما أُعلن نداء صور، حصلت هجمة على الموقعين، خاصة من بوابة إعلان صور مدينة مفتوحة خالية من السلاح، ما دفع بالبعض إلى الانسحاب، ومنهم من شارك في صياغة النداء، أما على صعيد النبطية، فهذه الكلمة لم تكن موجودة من الأساس، ليس لأننا لسنا مقتنعين بها، بل كوننا حرصنا على ألا يكون الخطاب منفّراً لبيئة حزب الله الخاضعة لابتزاز عاطفي، وكان هدفنا استمالة الأكثرية الصامدة، ومع ذلك، والمفارقة أن ردّة الفعل كانت نفسها، فالمشكل ليس مرتبطاً بمفردات معينة، بل بالنداء كله، وبالصوت المعترض، إذ" ممنوع على أحد أن يعترض".
وتبعاً لذلك، تشير فحص إلى أنه فور صدور نداء النبطية، عملت جماعة حزب الله على الاتصال ببعض الأشخاص والضغط عليهم، ما دفعهم للانسحاب قبل أن يجفّ حبر تواقيعهم، حتى إن بعضهم انقلب على نفسه وعلى مضمون النداء وغايته، بحجة أن هدفه الأساسي كان حماية الآثار، فتبين لاحقاً أنه لنزع السلاح، فكذبوا على أنفسهم لتبرير خطوتهم، معتبرة أننا للأسف لا نزال في الدوامة نفسها، وهي أن حزب الله لا يقبل بأي اعتراض ولا يؤمن بأي رأي آخر.
من جانبه، قال النائب فراس حمدان، الذي كان أحدث خرقاً في لائحة حزب الله وحركة أمل في الانتخابات النيابية عام 2022 عن الجنوب، إنه منذ إطلاق" نداء النبطية"، انشغلت بعض الجهات بمحاولة تشويه مضمونه والتشكيك بصدقية الموقّعين عليه، بدل التوقف أمام الأسباب التي دفعت مئات من أبناء النبطية ومحافظتها إلى إطلاق هذا النداء وتوجيهه إلى الرؤساء الثلاثة والحكومة اللبنانية، علماً أن عدد الموقعين اليوم ازداد إلى أكثر من 500.
وشدد حمدان، في بيان، على أن النص المنشور هو نفسه النص الذي وُضع أمام الراغبين بالتوقيع منذ البداية، ولم يُعدّل فيه أي حرف أو كلمة، مشيراً إلى أنّه" من حق أي شخص أن يسحب توقيعه، وهذا حق نحترمه بالكامل، لكن سحب التوقيع لا يحوّل الادعاءات إلى حقائق، ولا يبدّل الوقائع الثابتة".
وأضاف: " ما يزعج البعض في النداء ليس آلية التوقيع ولا نصّه، بل مضمونه السياسي.
فالنداء قال بوضوح إن هدفه وقف الحرب، وحماية أهلنا ومدننا وقرانا، وإبعاد لبنان والجنوب عن سياسات المحاور التي يدفع اللبنانيون ثمنها من دمائهم وأرزاقهم ومستقبلهم، وهذا ليس موقفاً مستجداً، ولا موقفاً نخجل منه أو نتراجع عنه.
فمن حق أهل النبطية والجنوب أن يسألوا لماذا تُدمَّر مدنهم وقراهم مرة بعد مرة، ومن حقهم أن يطالبوا الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها كاملة في حماية الناس والأرض والسيادة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك