تبدو الوقائع على الأرض في لبنان أصعب على الجيش الإسرائيلي ودولة الاحتلال، وخاصةً في المنطقة الشمالية، من النشوة التي يحاول رئيس الوزراء ووزير أمنه، يسرائيل كاتس، تسويقها على أنها إنجازات، ومنها احتفاؤهما باحتلال قلعة شقيف أرنون، في وقت أعاد ذلك خبراء عسكريين إسرائيليين إلى ذكريات عام 1982 وخسائر الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، يطغى واقع الخسائر الميدانية الإسرائيلية في لبنان، مع تواصل سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي بفعل مُسيّرات حزب الله، على التصريحات الحماسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس بشأن توسيع القصف على الضاحية الجنوبية لبيروت، وربما العاصمة اللبنانية لاحقاً.
ويعكس هذا الواقع، وفق مراقبين وكتّاب إسرائيليين، مأزقاً إسرائيلياً متواصلاً في لبنان، في ظل غياب استراتيجية واضحة واستمرار تكبّد الخسائر رغم العمليات العسكرية الواسعة.
وفي السياق، رأى كتّاب إسرائيليون أن" الحنين إلى البوفور (تسمية غربية للقلعة وتعني القلعة الجميلة) أنسى الناس فشل الحرب وما خسرناه هناك في المرة السابقة"، فيما اعتبر آخرون أن الأهمية العسكرية التي تمتعت بها المنطقة عام 1982، بحكم إشرافها على إصبع الجليل، لم تعد بالقدر نفسه من الأهمية اليوم.
وفي تقرير في صحيفة هآرتس العبرية، رأى المحلل العسكري عاموس هارئيل أن الاحتفاء الإسرائيلي بالسيطرة على قلعة الشقيف يعكس حنيناً إلى الماضي أكثر مما يعكس نقاشاً جدياً حول الحرب الحالية، معتبراً أن التركيز على رمزية القلعة يتجاهل الأسئلة المتعلقة باستراتيجية الحرب في الشمال، وعجز الجيش الإسرائيلي عن مواجهة تهديد المسيّرات، فضلاً عن تجاهله الخسائر التي تكبدها الجيش في الموقع نفسه عام 1982.
واعتبر الكاتب أن حديث نتنياهو عن القضاء على 8 آلاف عنصر من حزب الله، نحو 700 منهم في الشهر الأخير، فيه مبالغة" ذكّرت بالأميركيين في حرب فيتنام"، فيما كرر الوزراء وأعضاء الكنيست كلامه كالببغاوات.
وبحسب التقرير، فإن نتنياهو معنيّ بالإنجازات لا بالثمن، وأن الأرقام المتعلقة بـ14 قتيلاً منذ الإعلان الأميركي عن وقف إطلاق النار (الذي لم يُنفّذ) في لبنان قبل نحو شهر، وأكثر من ألفي قتيل إسرائيلي منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر، سقطت من بيانات رئيس الوزراء الاحتفالية.
أما الجيش الإسرائيلي، فهو" شريك كامل في هذه القصة، قصة فشل عملياتي واستراتيجي يحاول نتنياهو بكل قوته تقديمها للجمهور الإسرائيلي على أنها نجاح.
الحملة العسكرية عام 2024 كانت فعلاً نجاحاً عملياتياً لافتاً، تحقق بفضل تخطيط منهجي وعميق".
وأشار التقرير أيضاً إلى تفسير تكتيكي - عملياتي لاحتلال القلعة قد يتيح معالجة أكثر شمولية لمنطقة النبطية القريبة، لكن النشاط الهجومي الجاري لن يزيل تهديد المسيّرات عن القوات المنتشرة داخل لبنان، ولن يُحبط على الأرجح إطلاق الصواريخ الذي يزداد حجماً ويتوسع في الأيام الأخيرة.
وخلص هارئيل إلى أن التفاخر الإسرائيلي باحتلال أراضٍ في لبنان يمنح حزب الله فرصة لاستعادة سرديته بوصفه" حامياً" للبنان في مواجهة إسرائيل، رغم التراجع الذي شهدته هذه الحجة في السنوات الأخيرة.
وأضاف أن مصير الجبهة اللبنانية يبقى مرتبطاً بمآلات المواجهة مع إيران، متسائلاً عما إذا كان نتنياهو يسعى إلى تسوية في الشمال أم إلى مواصلة القتال حتى موعد الانتخابات، مؤكداً أن رئيس الوزراء لا يكشف عن نياته في هذا الشأن.
من جهته، شكك الخبير والمحلل العسكري في صحيفة يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي، في جدوى احتلال قلعة شقيف أرنون مجدداً، مذكّراً بأن الجيش الإسرائيلي سبق أن سيطر عليها خلال اجتياح لبنان عام 1982 قبل أن ينسحب منها عام 2000.
ورأى أن عودة الجيش إلى الموقع تعكس محدودية نتائج الانسحاب السابق، بعدما نجح حزب الله في ترسيخ وجوده فيه على الرغم من تدمير منشآته العسكرية عند الانسحاب.
واعتبر الكاتب في تقريره أن" هذا التذكير بالتاريخ مهم لوضع ما يحدث اليوم في حجمه الصحيح.
فصحيح أن نتنياهو يفهم في الشؤون العسكرية أكثر من بيغن، لكن ذلك لا يمنعه من التفاخر بإنجاز تكتيكي يكاد لا يسهم في حلّ المشكلة الاستراتيجية الحقيقية: تهديد حزب الله شمال إسرائيل.
إن احتلال سلسلة البوفور والجزء الشرقي من منطقة النبطية يبعد التهديد الناري، بما في ذلك المسيّرات، عن إصبع الجليل، وخاصة عن المطلة.
ففي منطقة النبطية بنى حزب الله العديد من المنشآت العسكرية، معظمها تحت الأرض، والتي استُخدمت لإطلاق الصواريخ والمسيّرات وقذائف الهاون على كل الشمال، وهي محصّنة من الهجمات الجوية لأنها مخفية.
أما الاحتمال الآخر، وفق التقرير، " فهو الانسحاب من المنطقة بعد اتفاق لوقف إطلاق النار، كما حدث في خريف 2024، وعندها سيعود حزب الله إلى هناك وسيكون قادراً على استئناف إطلاق النار كما يفعل الآن.
في الواقع، ما يحدث اليوم يشير إلى أن هذا ما سيحدث، فالنيران باتجاه نهاريا وعكا دليل على ذلك.
وهناك مشكلة أخرى، ففي عام 1982، خلال حرب لبنان الأولى، دخل الجيش الإسرائيلي لبنان عبر عدة محاور، بسبع فرق، ووصل بسرعة إلى بيروت.
فقدت منظمة التحرير توازنها، وبعد حصار قصير للجزء الغربي من العاصمة وافقت على الخروج.
وبحسب الكاتب، كان نتنياهو محقاً حين قال إن" هذا سيستغرق وقتاً"، لكن" المشكلة هي أن الوقت، في الظروف الحالية، حين لا يملك الجيش الإسرائيلي رداً على المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية ولا حتى على الصواريخ قصيرة المدى، يعني ثمناً دموياً وإنجازاً لصمود حزب الله المتواصل.
هذا التهديد يحتاج إلى ردّ استراتيجي ثابت وطويل الأمد، لا إلى إنجازات تكتيكية تتلاشى سريعاً بطبيعتها إذا لم تُرسَّخ".
" ما يحدث ينتمي إلى عالم التسويق لا إلى عالم القتال"في السياق ذاته، جاء في تقرير للصحافي في يديعوت أحرونوت، نحوم برنيع، أن الوضع في الشمال لا يُحتمل، لأن مليون مواطن إسرائيلي يعيشون تحت تهديد حقيقي لحياتهم ولمصدر رزقهم، ولأن الدولة أدخلتهم إلى هذا الوضع من خلال خطوة عسكرية من دون أن تضمن مسبقاً أمنهم.
ولا يُحتمل لأن ما يفعله الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان هذه الأيام لا يقلّل، ولو بشيء بسيط، من مستوى الخطر أو مستوى القلق في الشمال، ولا يُحتمل لأننا في مواجهة ثمن خطوة عسكرية انحرفت عن مسارها".
وأشار برنيع إلى أن إسرائيل تعيد اليوم استحضار مشاهد من حرب لبنان عام 1982، حين عبر الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني واحتل قلعة البوفور.
وذكّر بأن البوفور تحوّلت في الوعي الإسرائيلي إلى رمز لخسائر الحرب وإخفاقاتها، معتبراً أن ما يجري اليوم يعكس النهج نفسه القائم على الاعتقاد بأن مزيداً من القوة العسكرية قادر على تحقيق ما عجزت القوة عن تحقيقه سابقاً، رغم ما قاد إليه ذلك من سنوات طويلة من الاستنزاف.
واعتبر الكاتب أن" لكامل السلسلة الجبلية أهمية عسكرية معينة، لأنها تُشرف على بلدات إصبع الجليل.
كان ذلك صحيحاً عام 1982، وهو أقل صحة في عام 2026.
فالمسيّرات على أنواعها تستطيع الوصول إلى أهدافها من دون أن يوجّهها مراقب يقف على قمة جبل.
ما تبقّى هو الاسم، الرمز، وهو ينتمي إلى عالم التسويق لا إلى عالم القتال".
ووفقاً للكاتب، " من الصعب رؤية كيف أن السيطرة على مناطق إضافية في لبنان تُسهِم في حل مشكلة المسيّرات، ويمكن بسهولة رؤية كيف قد تغرق في مكوث طويل، مليء بالخسائر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك