أثار استشهاد الطالبة ثيودوسيا جايمس كرم، وشقيقها الطالب طوني، ووالدهما الطبيب جايمس كرم، جرّاء غارة إسرائيلية استهدفت، أمس الاثنين، طريق النبطية – الخردلي في جنوب لبنان، موجة غضب عارمة وصلت إلى حدّ المطالبة باستقالة وزيرة التربية ريما كرامي، في ظلّ إصرارها على المضي في إجراء الامتحانات الرسمية والجامعية، ولا سيما الحضورية منها، رغم الحرب الدائرة في البلاد والظروف الاستثنائية التي تعرّض الطلاب والأطر التربوية على حدّ سواء لمخاطر أمنية أثناء تنقّلهم.
وأثناء عودتها إلى بلدتها القليعة الجنوبية برفقة والدها وشقيقها، بعدما كانت قد توجهت إلى كلية العلوم – الفرع الأول في منطقة الحدث، الواقعة على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، لإجراء امتحانها، استهدفت غارة إسرائيلية سيارتهم، على طريق النبطية – الخردلي، ما أدى إلى استشهادهم.
وتدرس ثيودوسيا اختصاص البيولوجيا في سنتها الثالثة، وقد توجّهت من القليعة الحدودية لإجراء الامتحانات التي انطلقت يوم أمس.
أمّا شقيقها، فكان قد حضر بدوره لتقديم امتحانات في اختصاص الهندسة الميكانيكية في كلية الهندسة – الفرع الثاني في رومية (قضاء المتن).
واضطرّ والد ثيودوسيا إلى مرافقتها لخوض الامتحانات التي انطلقت صباحاً، وذلك قبل صدور قرار تأجيلها عقب التهديدات الإسرائيلية باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقرّرت إدارة الجامعة اللبنانية، أمس، إلغاء الامتحانات عقب التهديدات الإسرائيلية، فيما طلب المشرفون من الطلاب المغادرة فوراً، ولا سيما بعد صدور إنذار عن جيش الاحتلال بإخلاء الضاحية الجنوبية.
وفي طريق عودتهم إلى القليعة، استهدفت غارة إسرائيلية السيارة التي كانت تقلّ ثيودوسيا ووالدها وشقيقها على طريق الخردلي، ما أدى إلى استشهادهم.
ونعت رئاسة الجامعة اللبنانية وعمادتا كلية العلوم والهندسة، اليوم الثلاثاء، الطالبين ثيودوسيا جايمس كرم وشقيقها طوني، مؤكدةً أنّ" الجامعة اللبنانية، التي فقدت عدداً كبيراً من طلابها وأساتذتها وموظفيها خلال العدوان الإسرائيلي، تشدّد على أنّ سلامة أفرادها تبقى أولوية مطلقة".
وأكدت رئاسة الجامعة أنه في ضوء" التطورات الراهنة، فإن قرار تأجيل الامتحانات في مدينة رفيق الحريري الجامعية ومنطقة صيدا إلى الأسبوع المقبل، جاء انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه طلابها وأساتذتها وموظفيها"، مشددة على أن" أي طالب يتعذر عليه الحضور بسبب الظروف الأمنية لن يتعرض لأي إجحاف أكاديمي، وستُتخذ الإجراءات المناسبة لضمان حقوقه".
وأشارت إلى أنه" سيتم إحصاء الطلاب الذين يتعذر عليهم المشاركة في الامتحانات بسبب الأوضاع الأمنية وحالات النزوح التي فرضتها الحرب، على أن تحدد كل وحدة جامعية مواعيد لاحقة لإجراء الامتحانات لهؤلاء الطلاب"، مؤكدة أنها" ستواصل متابعة التطورات واتخاذ ما يلزم من تدابير حفاظاً على سلامة أفراد الأسرة الجامعية".
من جانبها، قالت شعبة كلية العلوم – الفرع الأول، إن ثيودوسيا استشهدت إثر عدوان إسرائيلي غاشم استهدف سيارة العائلة وذلك في طريق عودتها من الجامعة بعد الامتحانات التي كانت مقرّرة أمس، مشيرة إلى أن" هذه هي إسرائيل، عدوة الوطن، كلّ الوطن".
ولفتت الشعبة إلى أن ثيودوسيا لم تكُن هدفاً، مؤكدة أنها ابنة هذا الوطن التي تطوّعت في العمل الاجتماعي وخدمة الإسعاف ضمن مؤسسات مختصة، ولم تبخل يوماً بجهدها وتعبها، وأيضاً لم تبخل بدمها في سبيل هذا الوطن.
وأضافت أن" زميلتنا التي خرجت من منزلها في سبيل العلم وإتمام مسؤولية امتحانات جامعتنا، استشهدت في طريقها مظلومة، في ظلّ ظروف صعبة تتزايد يوماً بعد يوم".
ونعى أهالي القليعة الشهداء، وأصدرت البلدية بيانا قالت فيه إن الدكتور كرم وولديه" استُهدفوا بمسيّرة غادرة أثناء عودتهم من صيدا، بعد أن كانوا يسعون، كغيرهم من أبناء هذا الوطن، إلى تأمين مستقبلهم العلمي والجامعي، ليرتقوا معاً في لحظة واحدة على طريقٍ كان يفترض أن يكون طريق حياة لا طريق موت".
وأضاف البيان أن" ما يجري على هذا الطريق بات يشكّل خطراً مباشراً على حياة المدنيين، إذ تحوّل شريان الحياة الذي يربط قرانا الصامدة بالعاصمة ومراكزها العلمية إلى مصيدة للأرواح والأحلام"، مشددة على أن" استهداف المدنيين، والأطباء، والطلاب يعد جريمة بحق الإنسانية وتعدّياً صارخاً على كل القيم والمواثيق والأعراف الدولية".
أثار استشهاد الطالبين ووالدهما حالة غضب عارمة، وسط تصاعد أصوات عدّة طالبت بتأجيل الامتحانات في ظلّ الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، معتبرة أن وزارة التربية لم تتخذ القرارات التربوية بالشكل الملائم خلال فترة الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتي توسّعت في 2 مارس/آذار الماضي، ولم تنظر بجدية إلى أوضاع الطلاب، بمن فيهم طلاب الجامعة اللبنانية.
وقال الكاتب الصحافي وليد حسين، المتابع للشأن التربوي في لبنان، إن" وزيرة التربية ورئيس الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة والمدارس الخاصة يتحمّلون كل المسؤولية عن أي مكروه يصيب أي طالب في الظروف الحالية"، معتبراً أن" مقتل الطالبة كرم في غارة إلى جانب والدها وأخيها على طريق الخردلي كان نتيجة القرارات التربوية العشوائية"، مشدداً على أن المسؤول يجب أن يوازن بين المخاطر والقوانين لاتخاذ القرار المناسب.
وتابع حسين" ليس المطلوب فتح السوق لبيع الشهادات، لكن يجب أن نراعي الظروف والمخاطر في مناطق محدّدة، ويجب وضع حدود لهذا القطاع كي لا تتكرر المأساة"، متسائلاً" هل تستطيع وزيرة التربية تحمّل مسؤولية مقتل أي طالب آخر؟ ما هي الخطة التربوية لزمن الأزمات؟ هل شارك فيها أهالي الطلاب الذين سيتحملون تبعات القرارات؟ ".
من جانبه، تساءل النائب عن الجنوب فراس حمدان: " ماذا تقول وزيرة التربية السيدة ريما كرامي اليوم بعد مجزرة طريق الخردلي؟ "، وقال" هذه الجريمة تضع وزارة التربية ورئاسة الجامعة اللبنانية أمام مسؤولياتهما المباشرة.
فكيف يمكن الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية والجامعية وكأن البلاد تعيش ظروفاً طبيعية؟ كيف يُطلب من الطالب الجنوبي أن يتوجه إلى مدرسته أو جامعته فيما الطرقات أصبحت مسرحاً للغارات والاستهدافات؟ وكيف يُطلب منه أن يخوض امتحانات مصيرية فيما يعيش تحت وطأة الخوف والتهجير وفقدان الأحبة؟ ".
وتابع" هناك مناطق ما زالت محاصرة، وآلاف الطلاب يعيشون ظروفاً استثنائية نتيجة الحرب والاعتداءات والنزوح.
إن الإصرار على إجراء الامتحانات من دون مراعاة هذه الوقائع الأمنية والإنسانية يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويُحمّل الطلاب ما يفوق قدرتهم على الاحتمال"، مشدداً على أن" ما جرى على طريق الخردلي ليس حادثاً عابراً، بل إنذار جديد بأن الوصول إلى المدرسة أو الجامعة قد يتحول في أي لحظة إلى رحلة موت".
وطالب وزيرة التربية ورئاسة الجامعة اللبنانية بإعادة النظر فوراً في مواعيد وآليات الامتحانات الرسمية والجامعية بما يحفظ حق الطلاب في التعليم والحياة معاً.
وختم قائلا: " أما إذا كانت الوزارة عاجزة عن رؤية هذه الوقائع أو التعامل معها بالحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والإنسانية، فربما أصبحت الاستقالة موقفاً أكثر احتراماً من الاستمرار في إدارة هذا الملف بهذا القدر من الانفصال عن معاناة الطلاب وأهاليهم".
وفي 15 مايو/أيار الماضي، أعلنت وزيرة التربية ريما كرامي" إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة (البريفيه) لهذا العام، واعتماد ثلاث دورات متتالية لشهادة التعليم الثانوي (البكالوريا)، ودورتين لامتحانات التعليم المهني والتقني"، وذلك في إطار الإجراءات والتدابير الاستثنائية التي اتُخذت بسبب الحرب الإسرائيلية، وتداعياتها، بحيث تجاوز عدد النازحين عتبة المليون نازح، وتحوّل عدد كبير من الثانويات والمدارس إلى مراكز إيواء.
وعاش طلاب لبنان عاماً دراسياً استثنائياً جراء الحرب الإسرائيلية التي توسّعت في 2 مارس/آذار، وما زالت التحديات أمامهم كبيرة، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، خاصة على الجنوب، والتهجير القسري والنزوح.
وتسبّبت هذه الحرب بإغلاق عددٍ كبيرٍ من المدارس أبوابها، سواء بتضررها بفعل القصف الإسرائيلي، أو بوجودها في مناطق غير آمنة، تشملها الغارات وإنذارات جيش الاحتلال للسكان بالإخلاء، أو لتحوّلها إلى مراكز إيواء، ولا تزال مفتوحة للنازحين بفعل هشاشة الهدنة واستمرار الخروقات الإسرائيلية لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك