في كلّ عام، ومع اقتراب التاسع والعشرين من مايو/ أيار، ترتدي إسطنبول ثوباً مختلفاً.
تتزيّن شوارعها بالأعلام، وتنبض ساحاتها بالفعاليات، وتعود إلى الواجهة أسماء وشخصيات صنعت جزءاً من تاريخ هذه المدينة التي وقفت قروناً عند ملتقى الحضارات.
وبين أصوات الاحتفالات وصور السلطان محمد الفاتح المُنتشرة في أرجائها، يشعر الزائر أنّ إسطنبول تستحضر صفحة من ماضيها ما تزال حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من أبنائها.
مرّت أكثر من خمسة قرون على فتح القسطنطينية سنة 1453، غير أنّ هذه الذكرى ما تزال تحتفظ بمكانة خاصة في تركيا، إذ تحولت من حدث تاريخي إلى مناسبة سنوية تستحضر ارتباط أمّة بتاريخها وحرصها على إبقاء محطّاتها المفصلية حيّةً في الذاكرة الوطنية.
وفي مدينة تتجاور فيها آثار الإمبراطوريات القديمة مع مظاهر الحياة الحديثة، تطرح هذه الذكرى سؤالاً يتجاوز حدود الزمان والمكان: كيف تنجح بعض الأمم في تحويل أحداثها التاريخية إلى جزء من هُويّتها المستمرّة عبر الأجيال؟فتح القسطنطينية: حدث غيّر مجرى التاريخفي التاسع والعشرين من مايو/ أيار سنة 1453، تمكّن السلطان محمد الفاتح من دخول القسطنطينية بعد حصار استمر 53 يوماً، مُنهياً بذلك وجود الإمبراطورية البيزنطية في المدينة.
وشكّل هذا الحدث محطّة تاريخية فتحت الباب أمام مرحلة جديدة أصبحت فيها الدولة العثمانية قوّة مؤثّرة في محيطها الإقليمي والدولي.
حدث يعود إلى أكثر من خمسة قرون ويبقى حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للمدينةورغم اختلاف القراءات التاريخية لهذا الحدث بين الباحثين والمؤرّخين، فإنّ حضوره في الوعي التركي ظلّ ثابتاً عبر القرون.
وفي الخطاب الرسمي والشعبي السائد في تركيا، يُستحضر فتح القسطنطينية بوصفه إحدى أبرز المحطّات في التاريخ العثماني ورمزاً للتحوّل التاريخي الذي غيّر مسار المنطقة لقرون لاحقة.
ولعل ما يفسّر استمرار هذا الحضور تحوّل الفتح من حدث تاريخي موثّق في الكتب والمراجع إلى جزء من الذاكرة الجماعية التي تُستعاد سنوياً عبر الاحتفالات والفعاليات الثقافية والتعليمية، بما يجعل الأجيال الجديدة على تماس دائم مع إحدى أبرز محطّات تاريخ بلادها.
اكتست ذكرى فتح القسطنطينية هذا العام طابعاً خاصاً، إذ تزامنت مع رابع أيام عيد الأضحى المُبارك، فالتقت في شوارع إسطنبول وميادينها أجواء العيد بذكرى إحدى أكثر المحطّات رسوخاً في تاريخ البلاد، في مشهد جمع بين الاحتفاء الديني واستحضار الذاكرة الوطنية.
وبوصفي مقيمة في إسطنبول منذ سنوات، أجد أنّ ما يلفت الانتباه في هذه المناسبة يكمن في قدرة حدث يعود إلى أكثر من خمسة قرون على البقاء حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة.
التقت في شوارع إسطنبول وميادينها هذا العام أجواء العيد بذكرى إحدى أكثر المحطات رسوخاً في تاريخ البلادففي محطات المترو وعلى الجسور والساحات العامة، تتجاور صور السلطان محمد الفاتح مع الأعلام التركية التي ترفرف في مختلف أرجاء المدينة، فيما تتزيّن الشاشات والواجهات بعبارات تستحضر المناسبة.
وفي الاحتفال المركزي الذي أُقيم بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ازدانت الساحات بالأعلام التركية، وتابع آلاف الحاضرين العروض العسكرية والفقرات البصرية التي استحضرت مشاهد من تاريخ الفتح.
ومع تحليق الطائرات في سماء المدينة وتعالي الأناشيد الوطنية بين الحشود، بدت إسطنبول وكأنّها تعيش لحظة يلتقي فيها الماضي بالحاضر.
بدت إسطنبول وكأنّها تعيش لحظة يلتقي فيها الماضي بالحاضرومع حلول المساء، أضاءت الألعاب النارية سماء المدينة وسط حضور جماهيري واسع، بينما تحوّلت المناسبة إلى مشهد جمع بين أجواء العيد واستحضار ذكرى تاريخية ما تزال تحتفظ بمكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المجتمع التركي.
الذاكرة الوطنية وصناعة الانتماءوتتجاوز أهمية هذه الذكرى الحدث التاريخي ذاته إلى الكيفية التي يجري من خلالها استحضاره وإعادة تقديمه للأجيال المُتعاقبة.
فالدول لا تُبنى على الجغرافيا والحدود وحدها، وإنما أيضاً على الروايات المشتركة التي تمنح أبناءها شعوراً بالانتماء والاستمرارية.
ولهذا تحرص كثير من الأمم على إحياء محطّاتها التاريخية الكبرى بوصفها عناصر مؤثّرة في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الهُويّة الوطنية.
ويكفي النظر إلى الكيفية التي تُقرأ بها بعض الأحداث التاريخية من زوايا مختلفة؛ ففتح القسطنطينية يُنظر إليه في تركيا بوصفه محطة مفصلية في تاريخ الدولة العثمانية، بينما يرتبط في الذاكرة اليونانية بنهاية حقبة تاريخية امتدّت قروناً.
وتُظهر هذه القراءات المتباينة كيف يمكن للحدث نفسه أن يحمل دلالات مختلفة باختلاف الذاكرة الجماعية والسياق الوطني لكلّ مجتمع.
الدول لا تُبنى على الجغرافيا والحدود وحدها، وإنما أيضاً على الروايات المشتركة التي تمنح أبناءها شعوراً بالانتماء والاستمراريةومن هذا المنطلق، يمكن فهم المكانة التي ما تزال تحتلها ذكرى فتح القسطنطينية في الوجدان التركي بعد مرور أكثر من خمسة قرون عليها.
وفي عالم تتسارع فيه التحوّلات وتتغيّر فيه أنماط الحياة والقيم بوتيرة غير مسبوقة، تبدو الذاكرة التاريخية بالنسبة إلى كثير من المجتمعات وسيلة للحفاظ على شعورها بالاستمرارية وربط حاضرها بماضيها.
وفي مدينة شهدت تعاقب الإمبراطوريات وتبدّل العصور، تستمر ذكرى فتح القسطنطينية في تجاوز حدود الحدث التاريخي لتصبح جزءاً من الذاكرة الحيّة لملايين الناس.
وبينما تنتهي الاحتفالات وتعود شوارع إسطنبول إلى إيقاعها المُعتاد، يبقى ما تحمله هذه المناسبة من دلالات حاضراً في وجدان كثير من الأتراك.
ولهذا يتحوّل التاسع والعشرون من مايو/أيار من مجرد تاريخ في الروزنامة إلى موعد سنوي تتجدّد فيه صلة شعب بإحدى أبرز صفحات تاريخه.
فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما يظل حاضراً ما دامت الشعوب قادرة على استحضاره، واستخلاص معانيه، ونقله من جيل إلى آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك